واضع النقط علي الحروف إن واضع نقط الإعراب هو أبو الأسود الدؤلي كما هو معلوم للجميع ولكن الأمر يختلط على البعض حين نتحدث عن واضع نقط الحروف والراجح أنه نصر بن عاصم . فقد جاء رجل رومي إلى الحجاج وألقى عليه بعض الأبيات الشعرية بطريقه مضحكه لأنها لم تكن منقطة ونقطها على الهواء فتغير المعنى . غضب الحجاج وأمر بجلده فتوسط لدى الحجاج نصر بن عاصم فوافق وطلب من نصر أن يجد له طريقه حتى يتلافى الناس الوقوع في الخطأ فوضع نظام النقط على الحروف. إن التدرج التاريخي لوضع النقاط في الكتابة العربية كان على قسمين : أولـهما : ( نقط الإعراب ) بأن توضح نقاط على الأحرف تميّز حركة إعرابـها كوضع نقطة في موضع معين على الحرف عوضا عن الضمّة والكسرة والسكون وما إلى ذلك ، أي أن النقاط كانت تعبر عن هذه الحركات ( َ ، ِ ، ُ ) . وثانيهما : ( نقط الإعجام ) وهو وضع النقط المعروفة على الحروف لتتميز الحروف المتشابـهة بالشكل كالباء ، والتاء ، والثاء ، والياء بعضها عن بعض ... وأوّل من نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي ، وهو أوّل من وضع علم النحو بتأسيس من الإمام علي وبإشارة منه ، ولا يخفى دور علم النحو في الحفاظ على ألفاظ القرآن الكريم شكلا وإعرابا وبالتالي فهما وإدراكا لـمعانيه ، فقام أبو الأسود بتشييد علم النحو وذكر أصوله وشد أركانه ، ومن ثم عكف على خط القرآن الكريم تشكيلا وإعرابا حتى أمكن تثبيت ألفاظ النص القرآني وتحديد حركات الكلمة وإعرابـها على الورق لا في مخيلة القارئ فقط معتمدا على حفظه ، فصارت تؤدّى ألفاظه على كيفية واحدة متطابقة بين جماهير المسلمين ويتلقاه الخلف عن السلف بـهيئة واحدة ، وكان عمله هذا عاصما من شيوع التحريف والتبديل فيه على مستوى الإعراب . ولا داعي لتبيان خطر ترك القرآن من غير تشكيل مكتوب وخلو كلماته من إعراب مدون على طول الزمن ، فإن ما حدث في زمن عثمان ـ رضي الله عنه ـ بين الصحابة أنفسهم كان كافيا لإثبات ذلك ، خاصة بعد كثرة الفتوحات في أقاصي الأرض وفي الثغور البعيدة عن العاصمة الإسلامية التي يندر وجود العرب فيها مما يجعل مثل هذا الضبط للنص القرآني حاجة ملحة وضرورية . وهناك عدّة من المصادر التي تنصّ على أن أبا الأسود الدؤلي رحمه الله هو أول من نقّط المصحف نقط إعراب .. وفي كتاب مباحث في علوم القرآن ص91-94 : ( وعسير علينا أن نحدد -عن طريق هذه الروايات المختلفة - البواعث التي حملت أبو الأسود على نقط القرآن ، فلا نعرف هل اندفع من تلقاء نفسه أم استجاب لأمر لم يفكر فيه من قبل ، ولا نعرف كنه العمل الذي قام به ولكننا لا نرتاب قط قد أطلّع أول الجميع بعبء جسيم ، فهذا هو الحد الأدنى مما نطقت به تلك الأخبار والروايات أما أنه أفرد وحده بوضع أصول القرآن وشكله فليس منطقيا ولا معقولا ، فما ينهض بمثل هذا فرد أو أفراد ، ولا يبلغه تمامه جيل بل أجيال وبحسب أبي الأسود أنه كان حلقة أولى في سلسلة نقط القرآن وتجويد رسمه . وفي هذه السلسلة حلة أخرى يميل بعض العلماء إلى عدّها كذلك حلقة أولى ، حيث يرون أن : ( أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر ) ولابد أن يكون ليحيى عمل في نقط القرآن ، ولكن لا برهان بين أيدينا على أنه حقا كان أوّل من نقطه إلا أن يكون المراد أنه أول من نقط المصاحف بـمرو ، وتبلغ قصة أوّليته هذه ذروتـها من الإحكام والحبك حين يزعم ابن خلكان أنه كان لابن سيرين مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر ، ومن المعلوم أن ابن سيرين توفي سنة 110 ه* فقد عرف قبل هذا التاريخ مصحف كامل النقط ، تام الشكل ، وتلك النقط المعوّضة للحركات ، وهو أمر خطير جداً ليس من السهل التسليم به . وأمّا نصر بن عاصم الليثي فلا يستبعد أن يكون عمله في نقط القرآن امتدادا لعمل أستاذيه أبو الأسود و ابن يعمر، فإنه أخذ عنهما كما أسلفنا ، بيد أن أبا أحمد العسكري – في إحدى رواياته الغريبة – يؤكد أن نصر بن عاصم اطلع بنقط القرآن حين خاطب الحجاج كتابه وسألـهم أن يضعوا علامات على الحروف المتشابـهة ، وتكاد هذه الرواية تنطق أن نصراً كان أوّل من نقط المصاحف ، ولكنها تضل – مع ذلك – أضعف أن تعضل في هذا الخلاف برأي يقيني قاطع . ولأن تعذر إطلاق الحكم بأن أبا الأسود أو ابن يعمر أو نصرا كان أول من نقط المصاحف ، فلا يتعذر القول بأنـهم أسهموا جميعا في تحسين الرسم وتيسير قراءة القرآن على الناس ) . وفيما ذكره الصالح خلط واضح بين النقطين .الحركات الإعرابية التي وضع أسسها أبو الأسود الدؤلي كانت على شكل نقاط ، ولكي لا تختلط مع نقط إعجام يحيى بن يعمر جعلت بألوان مختلف بعضها عن بعض ، وهذه المنهجية فيها كثير من المعوقات والصعوبات فالقارئ يجد صعوبة في التمييز بين هذه النقاط ومعرفة دلالتـها بحسب اختلاف أمكنتها ، وسرعان ما يخطئ القارئ في القراءة لتزحزح تلك النقاط عن أماكنـها ولو قليلا ، أما على مستوى الكتابة فحدث ولا حرج فالمداد الملون وتنقيط النقاط بألوان مختلفة والتفريق بين الأماكن مع ضيق المسافة بين الأحرف يجعل التنقيط وضبطه عملية صعبة للغاية . وعلى أيٍ فهذه حال الخطوة الأولى في طريق الإبداع ، ولهذا انبرى لمهمة تتميم عمله ؛ حتى اكتفى الناس إلى يومنا هذا بفعله وابتكاره ، وكان حرصه منصبًّا على القرآن وشكله المرموق وأداء تلك النصوص الكريمة بلا عسر على القرّاء أو اشتباه للكتبة ، فابتدع الضمة والفتحة والكسرة والشدة وابتدع الشكل الأنيق للهمزة ، وزاد خدمة لقرّاء القرآن بوضع الروم والإشمام وغيرها ، وهو الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى . فالفراهيدي هو أوّل من صنّف نقط أبو الأسود الدؤلي وذكر علله وأول من وضع الروْم والإشمام وابتدع الشكل المتعارف من حركات الإعراب – الضمة والكسرة والفتحة والشدة والسكون والهمزة – فخدم كُتّاب القرآن الكريم خدمة عظيمة ، إذ كان يختلط عليهم نقط الإعجام بنقط الإعراب حيث كانت تتزاحم في الكلمة الواحدة بشكل يثير اللبس والخلط . وعمله رحمه الله أثر أثرا إيجابيا على قراءة القرآن الكريم وفهمه ، ولا يخفى ما لـهذا العمل والجهد من أثر في الحفاظ على قراءة القرآن الكريم المتواترة وصيانته من التغيير على مر الزمن بتغيّر قراءته وما ينجم عنه من المصائب كالتي حدثت في زمن سيدنا عثمان بن عفان . ومن راجع ترجمته رحمه الله في كتب التراجم لا يشك في أنه أول من صنف نقط القرآن وذكر علله وابتدع ما يناسب نطق أحرفه بلا غلط ولـحن ، وقد ذكره في كتاب مباحث في علوم القرآن ص 94 : ( وقد اتخذ هذا التيسير أشكال مختلفة ، فكان الخليل أول من صنّف النقط ، ورسمه في كتاب ، وذكر علله ، وأوّل من وضع الهمزة والتشديد والرّوم والإشمام ). وفي المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني ص9 : ( قال أبو عمرو : وأول من صنّف النقط ، ورسمه في كتاب ، وذكر علله الخليل بن أحمد ) ، وفي ص 133 ( وأوّل من وضع الهمزة والتشديد والروّم والإشمام ). وفي الإتقان ج2ص171: ( كان الشّكل في الصدر الأول نقطاً ، فالفتحة نقطة على أوّل الحرف ، والضمّة على آخره و الكسرة تحت أوّله . وعليه مشى الداني . والذي اشتهر الآن : الضّبط بالحركات المأخوذة من الحروف ، وهو الذي أخرجه الخليل بن أحمد الفراهيدي فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف ، والكسر كذلك تحته ، والضمّ واو صغيرة فوقه ، والتنوين زيادة مثلها … قال : وأوّل من وضع الـهمز والتشديد والروم والإشمام الخليل أيضا ) . وكذا في معجم القراءات القرآنية ج1ص63-64 ، نقلا عن مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق مجلد22ج1ص22 : ( واستمر هذا إلى أن جاء الخليل بن أحمد فوضع رمزاً جديداً للهمزة حيث اقتطع رأس العين – لقرب الهمزة منها – وجعلها رسماً للهمزة ، وكتبها " قطعة " وشاع رسم الهمزة الجديد ، ولكن أبى الناس زمناً أن يدخلوا رسم الخليل على المصحف ورأوه بدعة ، على أنه لم يلبث أن شاع وكتبه كتبة المصاحف ولكن مع بقاء الكتابة الأولى فكتبوا " يستهزئون " بياء وهمزة معاً و " يؤمنون " بواو وهمزة ، ليقرأ بالهمزة من حققّها وبالياء والواو من سهلها ، وكان هذا أصل الازدواج في كتابة الهمزة ). وفي محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر ص 35 : ( أوّل من نقّط المصحف اختلف فيه قال السيوطي في الإتقان أوّل من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر من عبد الملك وقيل أول من نقطه الحسن البصري ويحيى بن يعمر وقيل نصر بن عاصم الليثي وأوّل من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام الخليل النحوي ). وفي كتاب مع القرآن الكريم ص407 : ( وعن أبي الأسود أخذ العلماء النقط وأدخلوا عليه بعض التحسين إلى أن جاء عصر الدولة العباسية وظهر العالم الجليل الخليل بن أحمد البصري فأخذ نقط أبي الأسود و أدخل عليه تحسيناً فجعل علامة الضم واواً صغيرة . لأن الضمة إذا أشبعت تولد منها واو ، وعلامة الكسرة ياء صغيرة لأن الكسرة إذا أشبعت تولد منها ياء وهو المسمى الآن بالشكل وزاد على ذلك فجعل علامة للتشديد وهي رأس شين وعلامة للسكون وهي رأس خاء وأخرى للهمزة وعلامة للاختلاس والإشمام ). سورة الفاتحة المباركة بالخط الذي كان يكتبه المسلمون قبل ابن مقلة وتحته الخط الذي حسنه وشذبه ابن مقلة ، وهو الذي استمر إلى يومنا هذا : فحري بنا أن نقف إجلالا لهذا العمل الفذ الذي خدم به المصحف الشريف خدمة جليلة يقدر فضلها ويطيب ذكرها حينما ننظر للحال التي كان عليها خط المصحف وما آل إليه بعدئذ ..