شهادة أول أمين عام لهيئة الأركان بعد الاستقلال الشريف مهدي

الموضوع في 'تاريخ الجزائر' بواسطة أمة الرحمن الجزائرية, بتاريخ ‏19 أغسطس 2012.

  1. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية طاقم الإدارة مشرف

    أول أمين عام لرئاسة الأركان في الجزائر الشريف مهدي لـ''الخبر''
    بن بله اقترح على بومدين أن يكون خيضر أول رئيس للجزائر المستقلة

    [​IMG]

    18-01-2012 الجزائر: حاوره مصطفى دالع
    الشاذلي أول معتقل سياسي وأثر الأغلال على يده إلى اليوم
    هرّبنا بومدين داخل سيارة إسعاف ومرافقه أراد قتله ثلاث مرات

    يتناول الشريف مهدي، أول مسؤول للاستخبارات الجزائرية بعد الإستقلال، في هذه الشهادة التي خصّ بها ''الخبر''، بالتفصيل كيف تحالف العقيد بومدين مع الزعيم أحمد بن بله لإزاحة رئيس الحكومة المؤقتة بن يوسف بن خدة من الرئاسة، وكيف تمكنت مصالح الأمن العسكري لقيادة الأركان من تهريب بومدين من تونس إلى الجزائر بعد أن أعطى الباءات الثلاث الأقوياء في الحكومة المؤقتة أوامرهم بإلقاء القبض على بومدين، وقام الحرس الوطني التونسي بمحاولة اعتقال العقيد بومدين الذي نجا بأعجوبة من الاعتقال أو الموت بالإعدام.


    كيف تدرّجت في السلك العسكري خلال الثورة إلى أن أصبحت أول رئيس للمخابرات في الجزائر المستقلة؟
    التحقت بالثورة في 1956 بعد إضراب الطلبة بالقاعدة الأولى للولاية الأولى (الأوراس)، وكنت قد درست في معهد عبد الحميد بن باديس في قسنطينة رفقة محمد شعباني، ومحمد الشريف عباس والهاشمي هجرس (جنرال متقاعد توفي في 2011)، والسعيد عبادو وعمار بولسنان، وعاجل عجول. ثم درست في جامع الزيتونة بتونس، وبعد التحاقي بالثورة درست في الكلية الحربية للشرطة بالقاهرة إلى غاية نهاية 1959 وكنت الأول في دفعتي وتحصلت على جائزتين، الأولى جائزة النظام والثانية جائزة الضبط والربط العسكري، وبعدها أصبحت عضوا قياديا في قيادة الحدود الشرقية تحت قيادة موسى مراد ثم موسى حساني، وكنت رفقة عبد الحميد جوادي وحسين هامل والعربي بوقادوم عضوا قياديا في النواة الأولى للأمن العسكري في قيادة الحدود (سي دي آف) تحت إمرة العقيد هواري بومدين، وهو جهاز مستقل تماما عن وزارة الاستخبارات التي كان يقودها بوالصوف، ثم تحولت إلى قيادة الأركان العامة لجيش التحرير مع عبد الحميد جوادي، وأصبحت عضوا قياديا مع عبد الحميد قرفي (الذي كان نائبا لمحمد عطايلية قائد فيلق) في الأمن العسكري لقيادة الأركان. وبعد أزمة صائفة 1962 (بعد الاستقلال) واجتماع تلمسان ودخول الوحدات العسكرية (لجيش الحدود وجيوش الولايات الأولى والخامسة والسادسة) إلى العاصمة عيّنت مسؤولا أولا عن الأمن العسكري (المخابرات) في الجزائر المستقلة مع عبد الحميد جوادي ومسعود زفار وكلّفني بومدين بعدة مهام جد سرية منها، تنظيم إفلاته من مخالب السلطات الأمنية التونسية بعد قرار الحكومة المؤقتة بعزله ومطاردته من أجل إيقافه ومتابعته قضائيا، وكذلك قضية رفاة عميروش والحواس التي قمت بها بمعية عبد الحميد جوادي بكل سرية، كلفني كذلك بالمفاوضات السرية التي أجريتها مع الأخ الراحل سي موسى حساني من جبال تاكسنة بجيجل وإعادته سالما هو و683 مسلح محارب كانوا معه في الجبال.
    ومن المهام السرية الأخرى، كنا نحن ثلاثة أشخاص، جلول خطيب، شرقي الوردي والمتحدث الذين هيأوا ووظبوا ملفات الإطاحة ببن بلة، وذلك في فيلا 19 جوان بعد رصد آراء خلية منظمي التصحيح الثوري وزحزحة الرئيس من الحكومة، ومن ضمن المهام السرية التي قمت بها كذلك حين اقترحني زبيري واختارني بومدين لأحمل التعليمات المدققة لرؤساء النواحي العسكرية المختلفة الخاصة بالإطاحة ببن بلة 48سا قبل إلقاء القبض عليه وذلك بوضع هليكوبتر من نوع (مي 4) وانتقلت به من ناحية صوب أخرى لهذا الغرض.
    من تولى قيادة الأمن العسكري بعد إرسالك إلى تربص عسكري في أمريكا اللاتينية؟
    قاصدي مرباح، وحينها طلب مني وزير الدفاع العقيد هواري بومدين أن أسلّم جميع الملفات التي بحوزتي وبحوزة عبد الحميد جوادي إلى الأخ قاصدي مرباح باستثناء الملف المتعلق بالعقيدين عميروش وسي الحواس، مع العلم أن قاصدي مرباح لم يكن اسمه واردا في قيادة الأركان الشرقية، بل كان يشتغل في الحدود الغربية مع عبد الحفيظ بوالصوف (وزير التسليح والاستخبارات في الحكومة المؤقتة)، ومرباح هو الذي سلم أرشيفا كاملا للحكومة المؤقتة إلى العقيد بومدين، وأشير هنا أن مسعود زفار المدعو رشيد كازا كان معنا في الأمن العسكري مكلّفا بأوروبا وأمريكا ولم يكن قاصدي مرباح على معرفة بذلك، بدليل أنه أثناء محاكمة ''زفار'' بعد وفاة بومدين، أكد مرباح أن هناك مصالح أمنية (في الاستخبارات) موازية كانت تابعة مباشرة لبومدين وغير معروفة لديه، ولكن اتهامه بالعمالة لجهات أجنبية كانت مجرد غيرة من البعض.
    كيف استطاع العقيد هواري بومدين أن يرجّح الكفة لصالحه في مواجهة الباءات الثلاث الأقوياء (كريم بلقاسم بوالصوف وبن طوبال) والذين يعتبرون القادة الفعليين لجيش التحرير ما بين 1958 و1962؟
    كنت في الأمن العسكري عندما أرسل العقيد هواري بومدين قائد أركان جيش التحرير عبد العزيز بوتفليقة إلى محمد بوضياف في 1962 في سجنه بفرنسا ليقترح عليه التحالف معه لمساندته ليكون رئيسا للجزائر المستقلة، وتوجه بوتفليقة بالفعل إلى السفير المغربي في فرنسا السيد عبد الكريم الخطيب الذي أعطاه تكليفا بمهمة تحت اسم مستعار ''محمد بوخلطة'' الذي كان سكرتيرا أولا للسفارة المغربية بفرنسا وبهذا الاسم والوثيقة تمكّن بوتفليقة من دخول السجن الفرنسي ومقابلة محمد بوضياف وقدّم له عرض بومدين لكن بوضياف لم يتحمس لهذا العرض، فعاد بوتفليقة إلى بومدين ونقل له رد بوضياف، ثم كلّفه بومدين بمقابلة أحمد بن بله هذه المرة وعرض عليه أن يدعمه ليكون رئيسا للجمهورية بدلا من بن يوسف بن خدة رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة، ولكن أحمد بن بله اقترح على بوتفليقة أن يكون محمد خيضر رئيسا للجزائر المستقلة وقال له ''لا أرى شخصا أقدر على رئاسة الجمهورية إلا محمد خيضر''، بينما فضّل أن يكون هو (بن بلة) رئيسا للوزراء لمساعدته في تسيير شؤون الدولة، لكن في النهاية وافق بن بلة على مقترح بومدين.
    العقيد زبيري قائد الولاية الأولى (الأوراس) حسب مذكراته كان يميل إلى دعم بوضياف والباءات الثلاث، كيف استماله العقيد بومدين إلى صفه؟
    العقيد بومدين أرسل إلى الطاهر الزبيري النقيب فرحات واسمه الحقيقي بلقاسم برحال وذلك قبل مؤتمر طرابلس في مارس 1962 وطلب منه أن يساعده على ترجيح كفة بن بله ليكون رئيسا للجمهورية بدلا من بن خدة، وأن يعطي أصواته (صوته + 3 أصوات أعضاء قيادة الولاية الأولى لبن بلة عوض بن خدة ووافق زبيري على دعم مقترح بومدين، ومن جهة أخرى أرسل بومدين الشاذلي بن جديد والهاشمي هجرس وقايد أحمد للاتصال بصالح بوبنيدر حتى يسمح بدخول وحدات جيش الحدود إلى الجزائر عبر الولاية الثانية (الشمال القسنطيني)، وكان جيش الحدود على الجبهة الشرقية يضم 25 فيلقا و5 كتائب ثقيلة و25 طبيبا، لكن بوبنيدر أوقفهم وقام بتوثيق أيديهم بالأسلاك الشائكة لأسابيع، وعندما التقيت الرئيس الشاذلي بن جديد بمنزله في 2010 ذكّرته بهذه الحادثة وقلت له: السيد الرئيس كنت أول أسير سياسي بعد وقف إطلاق النار ولا زالت أثار الأغلال متواجدة في معصمك فابتسم وقال لي نعم حصل هذا.
    الباءات الثلاث الأقوياء ورئيس الحكومة المؤقتة والحرس الوطني التونسي حاولوا جميعا إلقاء القبض على بومدين قبل دخوله للجزائر، كيف استطاع بومدين النجاة من قبضة هؤلاء جميعا؟
    في صائفة 1962 طلب الباءات الثلاث (كريم بلقاسم وزير القوات المسلحة، عبد الحفيظ بوالصوف وزير التسليح والمخابرات، ولخضر بن طوبال وزير الداخلية) من الرئيس التونسي بورفيبة القبض على بومدين الذي كان حينها في غارديماو (بلدة تونسية بالقرب من الحدود الجزائرية)، وكنت حينها مديرا عاما بالنيابة للأمن العسكري لهيئة الأركان ونحن من نظمنا عملية تهريب بومدين من الأراضي التونسية، حيث أخذناه في سيارة إسعاف وكأنه مريض في حالة خطيرة ومستعجلة وأنفه وفمه مغطى بكمامة إنعاش وركب معه ضابط في الأمن العسكري ومن أمامه وخلفه سيارات الأمن العسكري غير مشتبه فيها ومررنا على عدة حواجز أمنية للحرس الوطني التونسي الذي كان يستوقفنا في كل مرة ويفتح سيارة الإسعاف دون أن يدري أن المريض ليس سوى العقيد هواري بومدين قائد هيئة الأركان الذي يطلب بورفيبة والباءات الثلاث رأسه حثيثا، ولكننا تمكّنا من إيصاله إلى المنطقة الشمالية على الحدود بين تونس والجزائر وأوصلناه سالما بين أيادي الرائد عبد الرحمان بن سالم والوحدات القتالية الجزائرية التابعة له.
    ما هي أخطر لحظة واجهها بومدين وهو يجتاز الحدود؟
    للتاريخ أكشف أن ضابط الأمن المرافق للعقيد هواري بومدين في سيارة الإسعاف والذي يدعى ''علي حموش'' أكد لنا أنه أراد ثلاث مرات أن يسحب مسدسه ويطلق النار على رأس بومدين لقتله ولكنه لم يفعل، فقد كان علي حموش ينحدر من الولاية الثالثة (القبائل) ولكن كان مجاهدا بالقاعدة الشرقية (سوق اهراس والقالة) وربما كان متعاطفا مع كريم بلقاسم (نائب رئيس الحكومة المؤقتة ووزير القوات المسلحة) ثم تم إيصال بومدين بسلام إلى قمبيطة (ولاية سوق اهراس) داخل الأراضي الجزائرية رفقة كل من نائبيه في هيئة الأركان علي منجلي وقايد أحمد، وهذه فرصة أذكر فيها الرأي العام الوطني بأن الضابط السامي الذي اختارته قيادة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني للمفاوضات مع سلطات الاحتلال الفرنسي من أجل دخول الوحدات القتالية إلى الجزائر المستقلة بكافة عتادها وكذلك لدخول اللاجئين الجزائريين المتواجدين آنذاك على التراب الفرنسي هو سي عبد الرزاق بوحارة كونه مجاهد، خبير، مثقف وجدير في الشؤون العسكرية ولقد أدى مهمته هذه على أكمل وجه، ولجأ العقيد بومدين إلى العقيد زبيري في الأوراس والذي فتح له أبواب الولاية الأولى وحماه من خصومه، بل وأوصله إلى تلمسان أين عقد اجتماع تلمسان، وضم زبيري قوات الولاية الأولى إلى جيش الحدود والولايات المتحالفة معه ودخلوا بعدها العاصمة (فيما عرف بأزمة صائفة 1962).

    تقرأون في الحلقة القادمة
    ضابط فرنسي اشترط علينا الزواج بعنابية مقابل الكشف عن مكان رفاة العقيدين سي الحواس وعميروش.
    شابو أمرنا أن ننسى سر رفاة العقيدين إلى القبر.
    مجاهد كشف للفرنسيين عن تواجد عميروش معهم وقتل تحت التعذيب.

    ********************************************************************


    أول أمين عام لهيئة الأركان بعد الاستقلال الشريف مهدي لـ''الخبر''
    سينغالي وسوداني قتلا سي الحواس .. و فرنسي أردى عميروش شهيدا



    تكبير الصورة تم تعديل ابعاد هذه الصورة. انقر هنا لمعاينتها بأبعادها الأصلية.
    [​IMG]


    19-01-2012 الجزائر: حاوره مصطفى دالع​


    ضابط فرنسي اشترط علينا الزواج بعنابية مقابل الكشف عن رفات سي الحواس وعميروش مجاهد كشف للفرنسيين تحت التعذيب أن عميروش بينهم​



    في الحلقة السابقة تناولنا تفاصيل تحالف العقيد بومدين مع أحمد بن بله، وكيف تمكن الأمن العسكري الجزائري من تهريب بومدين من تونس إلى الجزائر، رغم محاولات الحرس التونسي إلقاء القبض عليه بإيعاز من الحكومة الجزائرية المؤقتة. وفي هذه الحلقة يكشف لنا الشريف مهدي تفاصيل جديدة عن استشهاد العقيدين سي الحواس وعميروش في مارس 1959، وكيفية اكتشاف رفاتيهما بعد الاستقلال، تابعوا...

    هل يمكنك أن تحدثنا عن بعض الملفات التي كلفت بها في 1962، عندما كنت مسؤولا عن الأمن العسكري، ورُفع عنها طابع ''سري للغاية''، بعد مرور نصف قرن؟
    كلفني بومدين في 1962 بعدة مهام جد سرية، عندما كنت مسؤولا أول عن الأمن العسكري مع عبد الحميد جوادي، ومن ضمنها إيجاد جثتي العقيدين عميروش وسي الحواس (استشهدا في جبل ثامر بالمسيلة سنة 1959). وجاءني يوم 07/ 12/ 1962 ضابط يدعى الشريف زوايمية، أتى به الضابط محمد معارفية إليّ في وزارة الدفاع، وقال لي زوايمية ''هناك نقيب في الجيش الفرنسي يدعى (جون لوي غالي) ( Jean Louis Gallet)، والذي كان قائد كتيبة منطقة بوسعادة، التي وقعت بها معركة جبل ثامر، وهو يريد مقابلة مسؤول جزائري سامي، في قضية سرية قبل مغادرته الجزائر إلى فرنسا على متن باخرة كانت جاهزة للمغادرة''. فطرحت القضية على بومدين وشابو عبد القادر. فوافق بومدين على أن أبحث في الأمر، فذهبت مع عبد الحميد جوادي إلى عنابة، واتصلنا بالضابط الفرنسي ''جون لوي غالي'' يوم 11 ديسمبر 1962، فقال لنا ''لدي سر، أنا من دفن عميروش وسي الحواس في ثكنتي، وإذا سمحتم لي بالزواج بفتاة من عنابة سأعطيكم مخططا عن مكان قبر عميروش وسي الحواس''، فقلت له ''إذا كان المخطط حقيقيا فباسم الدولة الجزائرية أوافق على هذا الزواج''.
    وهل اكتشفتم قبر الشهيدين عميروش وسي الحواس؟
    أعطانا الضابط الفرنسي مخطط القبر، ورجعنا إلى العاصمة، وقابلنا بومدين الذي أعطانا الموافقة للتأكد من حقيقة المخطط. فذهبت مع عبد الحميد جوادي إلى بوسعادة، وأخذنا معنا ضابطين ينحدران من المدينة نفسها، أحدهما يسمى مصطفى عياطة (توفي برتبة عقيد)، والثاني محمد بوخلاط ويدعى ''tonton'' (تقاعد برتبة عقيد). وتوجهنا يوم 13 ديسمبر 1962 إلى ثكنة بعين المالح في بوسعادة (ولاية المسيلة)، وبالضبط في وادي الشعير بحوش بن ضيف بالقرب من جبل ثامر، وعلى بعد 30 كلم من بوسعادة. وكان المخطط الذي أعطاه لنا الضابط الفرنسي، يتمثل في (73 مترا طولا من بوابة السور القديم، على 17 مترا عرضا من برج المراقبة)، ونقطة التقاطع يوجد تحتها قبر الشهيدين، وعندما حفرنا إلى العمق المطلوب لم نجد شيئا.
    كيف؟ هل خدعكم الضابط الفرنسي؟
    اعتقدت ذلك، وقررت إعطاء الأمر بإلقاء القبض على الضابط الفرنسي، لكننا انتبهنا إلى أن الثكنة تعرضت إلى بعض التغييرات، فأعدنا حساباتنا على أساس البناء السابق لحائط الثكنة فوجدنا أن نقطة التقاطع توجد عند موقع رفع العلم، فحفرنا إلى عمق 70 سنتمترا، وعندها وجدنا عظام الشهيدين، وقد تلاشى منهما اللحم، ولم يبق سوى أثر لباسهما العسكري ملتصقا بالعظم. كانا مدفونين فوق بعضهما بشكل متعاكس. وكان العقيد عميروش في الأسفل، وعرفه جوادي من خلال سنه المكسورة. وسحبنا الهياكل العظمية للشهيدين، وقبلنا جبينيهما باسم الشعب الجزائري كله، (تغرورق عيناه بالدمع)، ثم قرأنا عليهما الفاتحة.
    أين أعدتم دفنهما؟
    جاءتنا تعليمات من الأمين العام لوزارة الدفاع، عبد القادر شابو، بترك عظام الشهيدين في مقر الدرك الوطني ببوسعادة، والرجوع إلى الجزائر العاصمة، ثم طلب منا شابو، باسم بومدين، أن ننسى هذا الأمر إلى القبر، وفهمنا أننا لن نر النور إذا ما كشفنا هذا السر. ثم كلفني أن أتولى دفن رفاتهما في مقبرة العالية بالعاصمة، ورمزنا إلى رفاة العقيد عميروش بالرقم 87-54، أما رفاة العقيد سي الحواس فرمز لها بالرقم 88-54، ورقم 54 يعني تاريخ اندلاع ثورة التحرير في 1954، أما رقم 8 فيرمز إلى تاريخ ذهابنا لعنابة للتحري عن قبري الشهيدين في 08/ 12/ 1962، أما الرقمان 7 و8 فللتفريق بين رفاتي الشهيدين، فرقم 7 يرمز للعقيد عميروش، والرقم 8 يرمز للعقيد سي الحواس، وقد كتبنا الرمزين على قطعتي قماش اللتين لفت فيهما رفات الشهيدين، وعلى قبريهما.
    لكن لماذا طلب منكما وزير الدفاع نسيان هذا الأمر إلى القبر؟
    هذا من الأمور التي لا يمكنني الكشف عنها، وحتى لا نتكلم في هذا الموضوع أرسلوني في دورة تكوينية في أمريكا اللاتينية لدراسة الجوسسة ومكافحتها. أما عبد الحميد جوادي فأُرسل في دورة تكوينية إلى الاتحاد السوفياتي. وبعد وفاة عبد القادر شابو، الأمين العام لوزارة الدفاع، ثم رحيل الرئيس هواري بومدين إلى جوار ربه في نهاية سنة 1978، وصعود الشاذلي بن جديد، وعودة العقيد زبيري من منفاه، كلمت هذا الأخير عن رفاة العقيدين عميروش وسي الحواس، رحمهما الله، وقلت لسي الطاهر لقد كنت معك أمينا عاما لرئاسة الأركان: ''لدي سر.. إنني أعرف قبري عميروش وسي الحواس''، فقال لي ''لماذا لم تخبرني من قبل''، فقلت له ''لو أخبرتك لكنت مخفيا، أنا وكافة رفقائي، في مكان لا يمكن لأحد أن يصل إلينا فيه''. فكلم العقيد زبيري كلا من العقيدين أوعمران (أحد القادة التاريخيين)، وبوبنيدر (آخر قائد للولاية الثانية التاريخية)، وبدورهما تحدثا مع الهادي لخضيري، وزير الداخلية، وكلفوه بالتحدث مع الرئيس الشاذلي بن جديد في هذا الأمر، فأمره هذا الأخير بإعادة الاعتبار لرفات الشهيدين، وإعادة دفنهما بمربع الشهداء إلى جوار بومدين، بحضور الرئيس شخصيا، لإعادة الاعتبار لهما، وإصدار ذلك في الجريدة الرسمية، وكان ذلك في 24 أكتوبر .1984 وما أود أن أشير إليه أن تصريحات أحمد بن شريف (قائد الدرك الوطني في عهد بومدين) للصحافة بأن ''بومدين أعطى في 1964 أوامر لمدير المخابرات، قاصدي مرباح، بالبحث عن جثتي العقيدين عميروش وسي الحواس، وأنه سلمه تابوتين، قال له إن بداخلهما أرشيفا سريا جدا للثورة، وقال له ''خبيهم حتى أعطيك تعليمات عليهم في الوقت المناسب''، هذا كلام غير صحيح، لأننا كنا قد اكتشفنا رفات الشهيدين قبل هذا التاريخ بسنتين، والتابوتان كان مخبآن لدى السيد ''العيد''، قائد الدرك الوطني بالشرافة، وأجهل تاريخ نبش قبريهما، ونقل رفاتهما إلى مقر الدرك بالشرافة في العاصمة.
    فهمنا لغز رفاة الشهيدين، ولكن استشهادهما في معركة جبل ثامر لازالت إلى اليوم لغزا آخر، فهل حدثت فعلا خيانة من أجل تصفيتهما على يد الفرنسيين؟
    المؤكد أن العقيد عميروش تلقى ثلاثة استدعاءات من الباءات الثلاثة (كريم بلقاسم وزير القوات المسلحة، عبد الحفيظ بوصوف وزير المخابرات، لخضر بن طوبال وزير الداخلية، وثلاثتهم يشكلون الهيئة الوزارية للحرب)، والاستدعاءات كانت ممضاة من طرف العقيد محمدي سعيد، رئيس الأركان للجيش آنذاك، ولم يكن واضحا سبب هذه الاستدعاءات، ولكن، وحسب الضابط الفرنسي '' Jean Louis Gallet'' فإنهم وجدوا لدى العقيدين عميروش (قائد الولاية الثالثة ـ القبائل)، وسي الحواس (قائد الولاية السادسة ـ الصحراء) مبلغ 8 مليون فرنك فرنسي، ووثائق اجتماع أكفادو، وفيها طلب بمحاسبة العقيد كريم بلقاسم لعدم إرساله الأسلحة إلى الداخل ووثائق أخرى.
    بعض الشهادات تتحدث عن وشاية حددت للجيش الفرنسي مكان تواجد العقيدين، مما سهل على القوات الفرنسية محاصرتهما بأعداد كبيرة. ما صحة هذه المعلومة؟
    الضابط الفرنسي ''Gallet'' أكد لنا أنه لم يكن على علم بوجود العقيدين عميروش وسي الحواس، نهائيا، في جبل ثامر في المنطقة التي كان مسؤولا عنها، ولكن في نفس الفترة تقدم كموندوس تابع للولاية الرابعة (وسط الجزائر)، بقيادة عمر رمضان، وأراد الهجوم على ثكنة في بوسعادة، وأثناء دخولهم للمنطقة رآهم ''الفومية'' (عملاء الاستعمار)، وبدل أن يهجموا على الثكنة توجه العربي بعرير، وهو إطار في جيش التحرير، وهجم على الحركى في مقهى بجبل المالح، وقام المجاهد لعوبي عبدو بالقضاء على اثنين منهم. وبدل أن يقوم الجيش الفرنسي بملاحقة هذا الكموندوس، طلب منهم قائدهم الاستعداد لشن هجوم واسع على جبل ثامر، لأنه من الممكن وجود قادة لجيش التحرير بهذا الجبل، الذي يتراوح علوه ما بين 1120 و1250 متر، فلم تكن هناك وشاية من قادة في جيش التحرير للتخلص من العقيدين بأيدي الفرنسيين، ولكن الوشاية جاءت من الفومية، التابعين لبن لونيس، الذين لاحظوا تحركات لوحدات لجيش التحرير في المنطقة، وقاموا بإبلاغ الجيش الفرنسي بتلك التحركات.
    فرضية أخرى تتحدث عن تمكن الفرنسيين من التقاط اتصال لاسلكي بالعقيد عميروش، واستطاعوا فك شفرته وتحديد مكان العقيدين. هل هناك ما يؤكد أو ينفي هذه الفرضية؟
    العقيد عميروش لم يكن لديه جهاز إرسال واستقبال، وإنما سي الحواس من كان يملك هذا الجهاز في جبل حمر خدو ببسكرة. ولكن الذي أكد للفرنسيين وجود العقيد عميروش هو الرائد عمر إدريس، الذي أسره الجيش الفرنسي خلال معركة جبل ثامر، وقاموا باستنطاقه تحت التعذيب فقال لهم ''معنا عميروش''، ولكنهم واصلوا تعذيبه حتى الموت. وبدأت معركة جبل ثامر على الساعة 00:11 صباحا، حيث تحركت أربع وحدات عسكرية للجيش الفرنسي، تتقدمهم وحدة اللفيف الأجنبي، وحدث أول اشتباك على الساعة 15:12، حيث قُتل عسكري فرنسي برصاصة في رأسه، لكن الجيش الفرنسي طوق جنود العقيدين عميروش وسي الحواس، هذا الأخير الذي وقف في مغارة، وأطلق النار على قوات اللفيف الأجنبي، ولكن عسكريين، أحدهما من السنغال والآخر من السودان، أطلقا النار على سي الحواس من رشاشاتهما فأردوه شهيدا، وكان ذلك على الساعة 30:12، وتعرفوا عليه من خلال لباس المظليين الذي كان يرتديه وقميص نايلون أبيض وقبعته.
    وكيف استشهد العقيد عميروش؟
    العقيد عميروش كان داخل مغارة، وخلف شجيرة صغيرة، حاملا معه سلاح من نوع ''كاربين أمريكية carabine américaine''، وتحرك قليلا فرآه الفرنسيون، وقال أحدهم ''الجنود الجزائريون من عادتهم أنهم يختبئون في انتظار نزول الظلام ليتحركوا''، فأرسلوا عسكريا فرنسيا إلى أعلى المغارة، ونزل عبر حبل إلى الأسفل فتمكن من رؤية العقيد عميروش بوضوح، فأطلق عليه النار من رشاشه، حتى نفذ خزان الرصاص لديه، دون أن يصيب العقيد عميروش، فاستعمل خزان رصاص آخر، وأطلق عليه النار ثانية فأصابه هذه المرة بثماني رصاصات في صدره وحول محيط قلبه، فسقط العقيد عميروش شهيدا، وكان ذلك على الساعة 30:17 مساء.
    وهذه المعلومات استقيناها من النقيب الفرنسي Jean Louis Gallet الذي كانت، بحسب قوله، لديه علاقات متينة مع مسؤولين مهمين في الإدارة الفرنسية، أمثال '' Jean Manoni''، المكلف بالشؤون الإدارية في الهيئة التنفيذية المؤقتة (أشبه بحكومة مختلطة أشرفت على الاستفتاء على تقرير المصير في جويلية 1962)، وكذلك
    Roger Roth، نائب رئيس الهيئة التنفيذية المؤقتة. ئ؟



    ؟ شعباني غضب من بن بله، لأنه لم يعينه وزيرا للدفاع كما وعده.
    ؟ كنا نراقب ''ضباط فرنسا''، ولم يثبت لنا تعاملهم مع باريس، إلا البعض منهم.
    ؟ بن بله وبومدين والشاذلي... مسؤولون عن إعدام أصغر عقيد في الجزائر

    - - - تحديث - - -

    قاتل شعباني يعيش في بحبوحـة ببـاريس ويحمل الجنسية الفرنسيــة

    20-01-2012 الجزائر: حاوره مصطفى دالع​







    تناول الشريف مهدي في الحلقة السابقة تفاصيل استشهاد العقيدين سي الحواس وعميروش، وكيفية اكتشاف رفاتهما بعد الاستقلال. ويسلط اليوم الضوء على قضية شائكة أسالت الكثير من الحبر، حيث يكشف الشريف مهدي، المقيم بالإمارات العربية المتحدة، ومستشار الدكتور أحمد صقر القاسمي شيخ إمارة الشارقة، أسرارا تنشر لأول مرة عن إعدام أصغر عقيد في العالم محمد شعباني، وكذلك مشاركة الجزائر في حربي جوان 1967 وأكتوبر .1973

    ما هو سبب الخلاف بين العقيد شعباني والضباط الفارين من الجيش الفرنسي؟

    العقيد محمد شعباني هو أصغر عقيد في الجزائر، إذ أنه من مواليد 4 سبتمبر 1934 في أوماش ببسكرة، وكان قائد الولاية السادسة (الصحراء)، ولم يرسّموا رتبته كعقيد إلا بعد سنتين من قيادته للولاية، ولكن ما أثر في شخصية شعباني.. اجتماع الرئيس الفرنسي شارل ديغول بالبشاغاوات والقياد في 13 ماي 1958 بقصر الإليزي، وأخبرهم أن فرنسا ستخرج من الجزائر وطلب منهم تحضير أنفسهم وأبنائهم لتولي قيادة الجزائر، من خلال التسرب داخل الثورة، وعاهدوه على ذلك. ولكن شعباني، بعدما انعقد أول مؤتمر لحزب جبهة التحرير في 1964، طلب رسميا من بومدين ألا يتعامل مع الضباط الفارين من الجيش الفرنسي وإبعادهم من مراكز صنع القرار، وعبّر عن رفضه للفرانكفونية، وقال ''لا نريدها في الجزائر''، وشدد على تعريب الدولة. ونحن في الأمن العسكري كنا نراقب الضباط الفارين من الجيش الفرنسي وعلاقاتهم بباريس بدقة، ولكنهم ذابوا في جيش التحرير وخدموا الجزائر، ولم نجد لهم أي ملف أو تعاملات مع فرنسا إلا البعض منهم. ولكننا بعيد الاستقلال مباشرة اكتشفنا عيونا لفرنسا وسط الجنود والضباط الذين أدخلهم عبد القادر شابو، الأمين العام لوزارة الدفاع، إلى الجيش بعد وقف إطلاق النار، وتم طردهم من صفوف الجيش.

    هل هذا الخلاف كان سبب تأزم العلاقة بين شعباني وبومدين؟

    العقيد شعباني كانت له صداقة حميمية مع محمد خيضر (أحد الزعماء الخمسة والأمين العام للحزب)، وهذا الأخير اقترحه أولا على بن بلة، وقال له ''إذا أردت أن يكون لك نفوذ داخل الجيش عيّن شعباني قائدا للأركان''، والرئيس أحمد بن بلة قال لشعباني ''جهز نفسك لأعينك رئيسا للأركان''، لكن شعباني رد عليه ''نحن قادة الولايات نجتمع ونقرر من يكون قائدا للأركان، أو عليك بتعيين العقيد محند أولحاج قائد الولاية الثالثة لهذا المنصب''. لكن بومدين اعترض على تعيين شعباني قائدا للأركان، واقترح بالمقابل العقيد الطاهر زبيري لهذا المنصب، قائلا لبن بلة إن الطاهر زبيري، نظرا لماضيه الثوري، هو الأجدر. واقترح بومدين على بن بلة تعيين شعباني نائبا أولا لقائد الأركان، والعقيد عباس نائبا ثانيا، والرائد عبد الرحمان بن سالم نائبا ثالثا، إلا أن خيضر اقترح مجددا على الرئيس بن بلة تعيين العقيد شعباني وزيرا للدفاع مكان بومدين، الذي عين نائبا للرئيس. وبعدها وعد بن بلة شعباني بتعيينه وزيرا للدفاع، لكن شعباني قال له ''لا يمكنني أن أدوس على مسؤول ثوري مثل بومدين''، فقد كان شعباني يحترم بومدين، ولكن الأخير اشمأز من اقتراحات بن بلة، ومن مواقف شعباني من الفرانكوفونية.

    ولكن لماذا رفض شعباني الالتحاق بمنصبه كنائب لقائد الأركان كما طلب منه الرئيس بن بلة وبومدين؟

    ذهبت رفقة العقيد الطاهر زبيري في سيارة سوداء من نوع 403 إلى بسكرة، بطلب من الرئيس بن بلة وبومدين، لإقناع العقيد شعباني بالالتحاق بمنصبه في العاصمة. فسألَنا شعباني من سيعين ( في قيادة الناحية العسكرية الرابعة) مكاني؟ فقلنا له: زرفيني. فقال: والله ما تحشموا.. أنتم ثوريون وتدعمون واحدا من الجيش الفرنسي يحكم الولاية التي كونتها. وتمسك بالبقاء في قيادة الناحية العسكرية الرابعة ببسكرة، وفشلت كل الوساطات لإقناعه بالعدول عن موقفه، حيث زاره العقيد يوسف الخطيب (قائد الولاية الرابعة- وسط الجزائر) والرائد لخضر بورفعة، والرائد عمار ملاح،وعلي منجلي (نائب قائد الأركان خلال الثورة)، وحتى سفير مصر في الجزائر علي خشبة.

    هل كان سفير مصر مبعوثا من الرئيس جمال عبد الناصر؟

    أرجح أن يكون مبعوثا من الرئيس أحمد بن بلة، ولكن ما يجب الإشارة إليه أن العقيد شعباني اتفق مع محمد خيضر وحسين آيت أحمد على إنشاء ''تنسيقية الدفاع عن الثورة'' في 28 جوان 1964، بعدما اتضحت له ألاعيب الرئيس بن بلة.

    لكن حسب بعض الشهادات فإن الرئيس بن بلة كان يحترم العقيد شعباني بشكل خاص؟

    كان شعباني مدللا لدى الرئيس بن بلة، وسأروي لك حادثا يوضح لك هذا الأمر، كنا في إحدى المرات من عام 1964 في نادي الضباط بباب الوادي مع الرئيس أحمد بن بلة، ووزير الدفاع العقيد بومدين، وقائد الأركان الطاهر زبيري، حول مائدة غداء بحضور عدد كبير من الضباط السامين، وتأخر العقيد شعباني عن الحضور ثلاثة أرباع الساعة، فشرعنا بتناول الغداء، وحينها ولج شعباني مدخل القاعة فنهض بن بلة من مكانه وتوجه صوبه واحتضنه أمامنا، وطلب من أحد عمال النادي أن يأتيه بكرسي ووضعه بينه وبين بومدين ليجلس عليه شعباني، وتساءلنا حينها عن سبب زحزحة كرسي بومدين إلى الجانب لإتاحة مكان لشعباني بالقرب من الرئيس، وفهمنا أن بن بلة كان يقصد بذلك استفزاز بومدين، وإظهار مدى قرب شعباني منه مقارنة ببومدين.

    الرئيس بن بلة كان يدعم شعباني لتقليص نفوذ بومدين، فلماذا انقلب عليه بعد ذلك؟

    شعباني كان مغتاظا من الرئيس بن بلة لأنه وعده بأن يعينه وزيرا للدفاع، ولم يف بوعده، لذلك عندما اتصل به بن بلة قال له شعباني ''أنت تشبه السياسويين المتعفنين.. إن لم تكن منهم''، قالها مرتين، وهذا ما أغضب الرئيس بن بلة فأمر الجيش باعتقال شعباني، وقاد العملية العسكرية الرائد الشاذلي بن جديد، قائد الناحية العسكرية الخامسة (قسنطينة)، ونائبه عطايلية، حيث تحركت القوات المجنزرة، وكنت حينها مع العقيد زبيري بباتنة، في مقر القطاع العسكري، ولما بدأت القوات في التحرك ووصلت إلى بسكرة كان شعباني نائما في بيت نائبه عمر صخري، وحصلت مناوشات طفيفة مع رجال شعباني يوم 1 جويلية 1964 في القنطرة (شمال بسكرة)، قتل فيها جنديان من جنود شعباني، الذي لاحقه الجيش فلجأ إلى بوسعادة، ومعه عمر صخري وفنتار وآخرين، وهناك ألقى عليه السعيد عبيد، قائد الناحية العسكرية الأولى، القبض بعد أسبوع من انطلاق العملية العسكرية ضده، ووضعه في سجن وهران في الزنزانة رقم 62، بجوار زنزانة السعيد عبادو، وأحمد طالب الإبراهيمي، والنقيب بوعناني (رئيس الحرس الجمهوري)، تحت مستوى البحر في ظلام، من يدخل إليه قد لا يخرج منه.

    من أول من ألقى القبض على العقيد شعباني؟

    ضابط اسمه ''رابح''، وفور إلقاء القبض عليه جاء العقيد أحمد بن شريف (قائد الدرك) في سيارة ''دي آس بلاس''، وخلفه سيارة عسكرية من نوع ''لاند روفر'' بداخلها شعباني موثق اليدين، ومن خلف السيارتين سيارة أخرى بها كلاب ألمانية مدربة، وأخذوه إلى سجن وهران.

    وهل تم تعذيب شعباني فعلا؟

    بل كان مريضا جدا بـ''المرّارة'' كان يتألم ليلا ونهارا منها، ولم تعط له إلا مسكنات، ولكن كان يعامل باحترام شديد. وحتى عندما حاول أحد الضباط الإساءة إلى العقيد شعباني في السجن نهره الرائد السعيد عبيد، وقال له ''هذا سيدك.. أطلب منك احترامه احتراما تاما''، وألزم الجميع بمعاملته باحترام. أما بقية الإطارات التي ألقي عليها القبض أمثال سعيد عبادو، محمد جغابة، حسين ساسي، خير الدين شريف، الطاهر لعجال، عمر صخري وغيرهم، فزج بهم في سجن السيدة الإفريقية eafriqu'dame d notre، والذي يسمى ''دار النخلة'' ويديرها حمداش من الفرقة الخاصة التابعة مباشرة لبن بلة (بعد التصحيح الثوري أدخل حمداش السجن)، وعُذبوا هناك، مع العلم أن الذي كان يعذَّب آنذاك أمام أعينهم، ويا عجب العجاب، هو عيسى مسعودي المذيع الجزائري للثورة، الذي كانت يداه معلقتين، يصرخ ويتألم من التعذيب، ثم بعد هذه المحطة نُقلوا إلى بوزريعة، ثم إلى سجن وهران، ومنه إلى سجن الكدية بقسنطينة، ثم جمعوهم في بيت لتغسيل الأموات بعد إصدار حكم الإعدام على شعباني.

    وكيف تمت محاكمة العقيد شعباني؟

    بن بلة عيّن محمود زرطال رئيسا لجلسة المحاكمة، وهو مدني يشتغل مستشارا بمحكمة وهران، أما بومدين فعين الرائد الشاذلي بن جديد والرائد السعيد عبيد والرائد عبد الرحمان بن سالم أعضاء في هيئة المحاكمة، وبدأت المحاكمة في 01 سبتمبر 1964 على الساعة 11:00 صباحا، ووجهت لشعباني عدة تهم، أبرزها: التعامل مع الاستعمار الفرنسي، سعيه لفصل الصحراء عن الجزائر، وقوفه ضد الفرانكوفونية، وعدم تطبيق أوامر رئيس الجمهورية ووزير الدفاع، والقيام بعملية انقلابية ضد الحكم. وهذه التهم كلها افتراءات وكذب، فللتاريخ، لم يقم العقيد شعباني بأي عملية عسكرية ضد الحكم، ولم يسع يوما لفصل الصحراء، ولا للتعامل مع العدو.

    وهل كانت معاداة الفرانكوفونية جريمة يعاقب عليها القانون حينها؟

    كان يُقصد بها معاداة العقيد شعباني للضباط الواردين من الجيش الفرنسي، لأنه خلال مؤتمر الحزب في 1964 قال ''هناك قوة ثالثة يجب تنظيفها''، وكان يقصد هؤلاء الضباط، وعين حينها عضوا في المكتب السياسي للحزب دون إرادته، وشعباني أنكر كل التهم، إلا أنه اعترف بمعاداته للفرانكفونية بجميع أشكالها، وقال: ''كل الذين أوقفتموهم غير مسؤولين، وأنا الذي أتحمل كل المسؤوليات''.

    كيف صدر حكم الإعدام ضد شعباني؟

    كانت الساعة الحادية عشر ليلا عندما اتصل بنا السعيد عبيد، وكنت حينها مع العقيد الطاهر زبيري في مكتب العقيد هواري بومدين بالمرادية، وأخبرنا عبيد أن ''القرار الذي صدر من المحكمة هو الإعدام، ونرجوا من رئيس الأركان أن يتدخل لدى الرئيس بن بلة لتحويل الحكم إلى السجن مدى الحياة''. وفي هذا الصدد زرت الرئيس الشاذلي بن جديد في 2010، وقال لي ''بعدما أصدرنا الحكم كلفنا السعيد عبيد بالاتصال بالرئيس بن بلة فشتمه''، وقال لي الشاذلي هذا الكلام بحضور العقيد أحمد لخضر دريد والعقيد عز الدين ملاح.

    كيف كان رد زبيري على طلب السعيد عبيد الشفاعة لشعباني عند الرئيس بن بلة؟

    العقيد زبيري دخل إلى مكتب العقيد بومدين وحده للحديث معه في الأمر، ثم خرجا، فقال بومدين لزبيري ''اترك بن بلة يتحمل مسؤولياته لوحده، ولكي لا يعتقد أنني طلبت منك التدخل.. لا تتدخل''، فرد عليه زبيري ''كيف.. هذا رجل ثوري (شعباني)، مثقف، تسمحو فيه ليحكم عليه بالإعدام''، وأضاف ''غضضنا الطرف عن محند أولحاج، وآيت أحمد، وفعلو بجيوشهما أكثر من شعباني''. وحينها جاءتني مكالمة من الرئيس أحمد بن بلة يستدعي فيها العقيد طاهر زبيري إلى فيلا جولي، ففرح زبيري لهذا الاستدعاء، وقال لي ''هذا السيد (قاصدا العقيد بومدين) لا يريد أن يفهم أي شيء عن شعباني.. إنه يريد رأسه''، ثم أضاف ''هذه فرصة، والله أذهب لأكلمه (يقصد الرئيس بن بلة)''.

    ماذا كان رد بن بلة على زبيري؟

    لما ذهب زبيري إلى بن بلة، على الساعة 12:30 ليلا، قال له الرئيس هيئ نفسك لنذهب غدا صباحا على الساعة 7:30 إلى القاهرة، للاجتماع مع الرئيس جمال عبد الناصر والقادة العرب، مع العلم أن جدول الأعمال تضمن اجتماع رؤساء الدول العربية، ووزراء الدفاع، ووزراء الخارجية، ووزاء المالية العرب. فبعد هذه التعليمات اقترح زبيري على بن بلة قضية شعباني، فرد ''لا تكلمني عن هذا الرجل.. إنه خائن''، فأثار زبيري قضية آيت أحمد ومحند أولحاج، فقال له بن بلة ''اتركني سأنظر في الأمر''. لكن بعد نصف ساعة من المقابلة أرسل بن بلة برقية رسمية إلى وزير الدفاع، هواري بومدين، طلب منه فيها تطبيق حكم الإعدام المنطوق به على شعباني، في نفس اليوم، وقبل ذهابه إلى القاهرة.

    إذن من هو المسؤول عن إعدام العقيد شعباني؟

    مسؤولية إعدام شعباني في أعناق كل من أعضاء المحكمة، أولا: محمود زرطال، والشاذلي بن جديد، وعبد الرحمان بن سالم والسعيد عبيد. مع الملاحظة أن الشاذلي بن جديد، في ندوة بالقالة، قال ''بومدين أعطاني تعليمات، إبان المحاكمة، وقال لنا: بن بلة يعطيكم الأمر بالنطق بحكم الإعدام''، ثانيا: رفض العقيد هواري بومدين التدخل في هذا الموضوع بأي صورة من الصور، لأنه كان يكره فكرة تعيين شعباني وزيرا للدفاع، ورفضه الالتحاق بمنصبه، ثالثا: الرئيس أحمد بن بلة رفض تخفيض عقوبة الإعدام إلى المؤبد، رغم طلب العقيد زبيري.

    كيف تم تنفيذ عملية إعدام شعباني؟

    يوم 2 سبتمبر 1964، وعلى الساعة 04:30 فجرا، أُخرج العقيد شعباني من سجن سيدي الهواري بوهران، بعد أن طُوّق بوحدات الجيش، ونقل على متن سيارة من نوع 403 سوداء، وأخذوه إلى منطقة كنستال بوهران، ثم ربطوا يديه إلى الوراء، وأرادوا أن يضعوا شريطا قاتما على عينيه، لكنه رفض، فسألوه: بودّنا أن تطلب العفو من رئيس الجمهورية، فرد عليهم شعباني ''أقسم بالله العظيم لن أطلب منه شيئا، وعند ربكم ستختصمون''، فقالوا له: هل لديك مطالب أخرى؟ فقال: نعم، أريد أن أرى أخي وصديقي الشريف خير الدين (كان معه في السجن)، ولي والدة صحتها مهلهلة، أطلب من أصدقائي التكفل بها، ولا تتركوا جثتي في هذا المكان، أرجو دفني في مسقط رأسي (أوماش)، أو في سيدي عقبة (المكان الذي استشهد فيه الفاتح الإسلامي عقبة بن نافع)، وقبل ذلك، وعلى الساعة 03:10 فجرا، كانت قد وصلت فرقة الإعدام المكونة من 12 عسكريا وأُدخلوا إلى غرفة بها 12 قطعة سلاح، 6 قطع بها رصاص حي، و6 قطع أخرى بها رصاص أبيض (صوتي)، وتم خلط الرصاص بشكل لا يعرف أي منهم طبيعة الرصاص الذي لديه، حتى لا يُعرف صاحب الرصاصة القاتلة، كي لا يشعر بأي عقدة ذنب في حياته.. وأُعطي الأمر بالتنفيذ، خلف در.. إرم، فأطلق رجال فرقة الإعدام رصاصتهم على شعباني، على مسافة لا تزيد عن 30 مترا على أكثر تقدير، ومع ذلك لم يصيبوه إلا في رجله، ولكن للأسف الشديد اقترب منه قائد فرقة الإعدام، وسحب مسدسه الشخصي وأطلق عليه النار فأرداه قتيلا، وكان هذا مصير العقيد شعباني المحتوم.

    من هو الشخص الذي نفذ حكم الإعدام؟

    مصطفى السايس وهو من الضباط الواردين من الجيش الفرنسي، هو الذي اقترب من العقيد شعباني وأطلق عليه رصاصتين في رأسه من مسدسه الشخصي، فقتل أصغر عقيد في الجزائر، حيث لم يتجاوز سنه 30 عاما حينها، (30 سنة إلا يومين) عند إعدامه، وكان ذلك على الساعة الخامسة فجرا والدقيقة .14 وترك مصطفى سايس الجزائر وهو يعيش اليوم في بحبوحة بباريس ولديه الجنسية الفرنسية.

    متى تلقيتم خبر تنفيذ حكم الإعدام؟

    امتطينا الطائرة المتجهة إلى القاهرة على الساعة 7:30 صباحا، وأثناء الرحلة تصفح الرئيس أحمد بن بلة جريدة ''المجاهد''، التي كُتب فيها بالبنط العريض ''خائن الوطن يُعدم صبيحة هذا اليوم''، وبعد أن قرأها طوى بن بلة الصحيفة، وقال بالفرنسية ''للأسف الشديد equel dommag ''، ولكن لم يبد على معالم وجهه أي أثر للتأسف على إعدام العقيد شعباني. وكنت حينها جالسا في أريكة طائرة اليوشين 18 قريبا من الرئيس، ورأيت هذا المشهد، فقلت له في نفسي ''سيأتي دورك لا محالة''.

    ما قصتك مع موسى حساني والـ683 مقاتل معارض؟

    موسى حساني كان قائدا لقيادة الحدود الشرقية تولاها بعد قيادة موسى مراد، وكان رجلا مثقفا وثوريا بمعنى الكلمة، وبعد الاستقلال طلب منه بوضياف أن يقوم بجمع أكبر عدد ممكن من المجاهدين القدامى، كون النواة الأولى للمعارضة المسلحة، وكان معه الطاهر بن زيادة، حفيظ طبال، مولود بونار، وهناك شخص آخر، حاليا هو جنرال في وزارة الدفاع (تحفظ عن ذكر اسمه)، ومع هؤلاء الضباط كان هناك 683 رجل مسلح قرروا معارضة حكم بن بلة، كانوا متمركزين في جبال تكسانة وضواحيها بجيجل، وذلك منذ أواخر 1963، وقاموا بعمليات مسلحة كثيرة ضد الحكم الفردي لبن بلة، وبمبادرة مني، وموافقة الطاهر زبيري، وبومدين، توجهت صوب جبال جيجل، ونزلت من سيارتي وصعدت إلى الجبل راجلا، بغية لقاء المجموعات المسلحة الموالية لبوضياف وموسى حساني، وكدت أغتال على يد رجالهما، وبعد ثلاث زيارات، آخرها كنت برفقة فايد أحمد، اتفقنا مع موسى حساني أن يترك الجبال ومصاعبها، هو ومجموعته المسلحة، وأن يلتحق بصفوف الجيش، لأن بومدين وزبيري لهما تصور خاص بشأن التعامل مع بن بلة، وفي الأخير نزل حساني في سيارتي الخاصة إلى العاصمة، يوم 11 جانفي 1965، وفي الطريق توقفنا في ثكنة بجيجل التي كان رئيسها آنذاك الضابط جنوحات (حاليا هو برتبة جنرال)، والذي تساءل عن مرافقي في السيارة، فقلت ''موسى حساني''، وطلبت منه التزام الصمت إلى حين إتمام المفاوضات معه في العاصمة. ووصلنا على 03:15 فجرا إلى فيلتي، واحتفظت بسر الموضوع حتى على زوجتي وأخي عمر (نقيب المحامين حاليا بباتنة)، وقلت لهما إنه صديق ليبي. وحصل اتفاق مع الطاهر زبيري، وفايد أحمد، بتعليمات من بومدين، على أن يبلغ الرئيس بن بلة بأن موسى حساني وضع نفسه ورجاله تحت تصرف الدولة، فقبل بن بلة بهذه الفكرة، واشترط علينا أن يكون تحت الإقامة الجبرية في مستغانم، وبالفعل من تلك الفترة إلى 25 جانفي جاء والي مستغانم وأخذ حساني إلى مستغانم، ووضعه تحت الإقامة الجبرية في إقامة الدولة. وبعد فترة وجيزة حصل الانقلاب على بن بلة، واستدعى مجلس الثورة، برئاسة هواري بومدين، موسى حساني، وعُيّن وزيرا للاتصالات السلكية واللاسلكية.

    زبيري يتحدث عن مرافقتك له في مهمة عسكرية إلى الشرق الأوسط، قبل اندلاع حرب جوان 1967، هل لديك ما تضيفه بهذا الشأن؟

    كنت في مهمة سرية مع العقيد الطاهر زبيري، قائد الأركان، والهاشمي هجرس، إلى الشرق الأوسط، بدعوة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي طلب منا تحسيس الرؤساء العرب، وخاصة الرئيس السوري نور الدين الأتاسي، والرئيس العراقي، لتهيئة وحداتهم العسكرية للهجوم على إسرائيل. ومن الأمور السرية أن الرئيس العراقي أكد لنا أنه مستعد لإرسال 3 ألوية، كل لواء فيه 3 فيالق، وكل فيلق يضم 1000 جندي وضابط (قرابة 10 آلاف مقاتل). والمصريون هيأوا 9 ألوية للقتال، أما السوريون فلم يكونوا جاهزين تماما للحرب، بل أخطر من ذلك وضعوا في الخطوط الأمامية في بحيرة طبرية عسكريين فلسطينيين لمراقبة العدو الإسرائيلي.

    ما هو حجم الدعم العسكري الذي قدمه جمال عبد الناصر للجزائر بعد الاستقلال؟

    مصر جمال عبد الناصر أرسلت 9 طائرات من نوع ميغ 15 لدعم الجزائر في معركتي تندوف وحاسي البيضاء (حرب الرمال مع المغرب في 1963)، كما أرسل عبد الناصر مخططين مصريين، ولكن طائرة الهيليكوبتر التي كان يقودها الطيار الجزائري، حسين سنوسي، هبطت، عن طريق الخطأ، في منطقة فقيق المغربية، بدل منطقة بني ونيف في بشار، وأسر الجيش المغربي 3 جزائريين، و4 ضباط مصريين، وحيث بقوا تحت التعذيب لمدة 8 أشهر.

    وهل شاركت القوات الجوية الجزائرية في حرب جوان 1967؟

    بالرغم من الإطاحة ببن بلة في جوان 1965، إلا أن جمال عبد الناصر كانت ثقته في الجزائر كبيرة، حيث أرسل حسني مبارك (الرئيس المصري المخلوع) 6 طائرات مقنبلة كبيرة، من نوع تيبولاف 116، لتفادي تدمير القوات الإسرائيلية لها، بينما أرسلت الجزائر سربين من طائرات ميغ 17، وميغ21، وكل سرب يضم عشر طائرات، أي ما مجموعه 20 طائرة مقاتلة، وشاركت هذه الطائرات مشاركة فعالة في حرب الستة أيام، ولكن عند عودتها سقطت طائرة جزائرية من نوع ميغ 17 في تونس، بسبب خلل تقني.

    ماذا عن مشاركة القوات الجوية الجزائرية في حرب 6 أكتوبر 1973؟

    لقد وضعت الجزائر أسرابا من طائراتها المقاتلة تحت تصرف مصر، استعدادا للحرب، حيث توجهت 48 طائرة مقاتلة من نوع سوخوي آس دي، وميغ 21، وميغ 17 في أفريل 1973، من أجل المشاركة في أي حرب محتملة مع إسرائيل، وتوقفت في بنغازي (شرق ليبيا) للتدريب، وفي 07 أكتوبر 1973 دخلت مقاتلاتنا مصر، تحت قيادة محمد لخضر دريد، للمشاركة في الحرب (بعد يوم واحد فقط من اندلاع الحرب)، وأصيبت طائرتي ميغ 21 بصواريخ إسرائيلية، لكنها عادت إلى قواعدها بصعوبة، إلا أن طائرة من نوع سوخوي آس دي أصيبت عن طريق الخطأ بصاروخ مصري أرض جو فتحطمت، وقُتل الطيار محمد ظريف ومساعده، وتقدمت حينها قيادة القوات الجوية المصرية باعتذار رسمي عن هذا الخطأ. كما قدمت الجزائر إعانة مالية لمصر، خلال الحرب، بقيمة 300 مليون دولار، ولكن كل تلك المساعدات لم يذكرها الإخوة المصريون في كتبهم، كما لم يتكلموا عن المساعدات السودانية والكويتية وغيرها.


    تكبير الصورة تم تعديل ابعاد هذه الصورة. انقر هنا لمعاينتها بأبعادها الأصلية.

    بومدين و بن بلة وجمال عبد الناصر



    تكبير الصورة تم تعديل ابعاد هذه الصورة. انقر هنا لمعاينتها بأبعادها الأصلية.
    [​IMG]

    سرب الطائرات الجزائرية التي ارسلت الى مصر
     
  2. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية طاقم الإدارة مشرف

    في الحلقة السابقة سلط الشريف مهدي الضوء على أزمة العقيد الطاهر زبيري مع العقيد هواري بومدين، وفي هذه الحلقة (الأخيرة) سيتحدث عن تأزم الأمور بين الرجلين ووصولها إلى المواجهة المسلحة بالأسلحة الثقيلة. وستكتشفون معلومات تفصيلية يرويها لنا محدثنا بكل دقة.

    قلتَ إنك ذهبت إلى مليانة، ورغم أن فيلق مليانة الميكانيكي كان أقرب إلى قنطرة العفرون إلا أنه كان آخر الفيالق وصولا إلى جسر بورومي، ما سبب تردد عبد السلام مباركية في التحرك؟

    عبد السلام مباركية قائد الفيلق الميكانيكي لم يكن مترددا، وإنما كان بحاجة إلى فترة لتهيئة نفسه للتحرك، ولكن جاءنا قرار من العقيد زبيري فطبقناه، رغم أننا، كعسكريين، كنا نود لو كانت لنا فسحة من الوقت للتحرك. ولكن فعلا حصل جدال بين عبد السلام مباركية، قائد الفيلق الميكانيكي، والسعيد عبيد، قائد الناحية العسكرية الأولى الذي أمره بعدم التحرك من موقعه، ولكن مباركية لم يطبق أوامره. وعندما وصلت إلى مليانة وجدت الرائد عمار ملاح هناك، أما النقيب موسى حواسنية فاتصل بمعمر قارة، قائد فيلق المشاة في المدية، الذي تأخر في الوصول إلى العفرون بسبب الثلوج الكثيفة في مرتفعات جبال الشفة، ما اضطره إلى أخذ طريق التفافي أطول.

    الغريب أن فيلق الدبابات، والبعيد عن العفرون، وصل أولا، رغم عدم تزويده بشاحنات حاملة للدبابات، كيف؟

    فعلا فيلق الدبابات بقيادة العياشي حواسنية وصل أولا إلى جسر بورومي في العفرون، حتى الخبراء العسكريون السوفيات تفاجأوا من السرعة التي سار بها هذا الفيلق على طول 250 كلم. ولكن كذب من قال إن فيلق الدبابات لم يكن لديهم بنزين، بل كانت ترافقهم شاحنات مملوءة بالوقود.

    كيف أغلق رجال العقيد بومدين جسر بورومي بالسيارات المدنية، وعرقلوا تقدمكم؟

    عندما وصلنا إلى جسر بورومي وجدنا عشرات الشاحنات والسيارات الملغمة فوق الجسر، وأحضر رجال بومدين طلبة جنودا من مدرسة الهندسة العسكرية التي يديرها رشيد ميدوني، وهو من الضباط الفارين من الجيش الفرنسي، ونائبه واكور، وطلبة جنودا من مدرسة التموين التي يديرها شريف جغري، وبعض الطلبة الجنود من مدرسة الإشارة، وقالوا للطلبة الجنود: نحن نصور فيلما، وعندما نعطيكم الأوامر أطلقوا الرصاص. ولم يكن الطلبة الجنود يعلمون أن الرصاص الذي لديهم رصاص حي. وعندما وصلت مقدمة أرتالنا وجدت الجسر ملغما بالسيارات، فنزلت سيارة عسكرية من نوع ''لاند روفر'' إلى أسفل الجسر وتبعتها الدبابات، حينها أُعطيت الأوامر للطلبة الجنود بإطلاق النار، فأصابوا رجلين من فيلق الدبابات بالذخيرة الحية، فكان الرد سريعا وقويا، وبناء على ذلك أوقفوا زحف طلبة المدارس العسكرية نحوهم.

    عدة كتب تتحدث عن قيام طيارين سوفيات بضرب قوات زبيري، وكان لها دور في حسم معركة العفرون لصالح الرئيس بومدين، ما صحة ذلك؟

    أؤكد لكم أن كل الطيارين كانوا جزائريين، ولا يوجد ولا سوفياتي بينهم. ولم يكن هناك سوى تقنيين سوفيات للصيانة فقط. أما عدد الطيارين المشاركين في معركة العفرون فهو 10 طيارين جزائريين، كانوا يقودون 6 طائرات من نوع ''ميغ ,''17 و4 طائرات من نوع ''ميغ ''21، وكان يدير العمليات سليمان هوفمان من أعلى مطار بوفاريك العسكري، أما قائد القوات الجوية فكان عبد الحميد لطرش الذي استدعى جميع الطيارين وقال لهم: المغاربة على أبواب العاصمة، فعلى كل من كان في إجازة أن يلتحق بالقاعدة العسكرية في بوفاريك، وحينما وصلوا إلى بوفاريك أخبرهم بحقيقة الأمر. أما الرائد أحمد بن عبد الغني، قائد الناحية العسكرية الرابعة فوصل من ورفلة إلى مطار بوفاريك في طائرة ''ميغ ''15 من مقعدين صبيحة يوم 14 ديسمبر 1967 على الساعة 30:.07

    كيف تم استعمال القوات الجوية في عملية ردع الفيالق الموالية للعقيد زبيري؟

    الهجوم الأول قامت به طائرتان من نوع ''ميغ ''17 وبدأ على الساعة 15:08 وأطلقتا قنابل على منطقة العمليات، فأصابتا محطة بنزين في مدينة موزاية ما أسفر عن جرح 7 مدنيين، ثم رجعا إلى القاعدة، ثم انطلقت طائرات ''ميغ21''، التي أطلقت 128 صاروخ (جو ـ أرض) خارج ميدان المعركة، وتعمد الطيارون ألا يصيبوا رجالنا، لأنهم كانوا أصدقاء ومتعاطفين معنا، وعندما عادوا إلى قواعدهم وبخهم هوفمان وتوعدهم بالعقاب وقال لهم: لستم أهلا لقيادة الطائرات. وجاءهم الرئيس بومدين وسألهم: لماذا لم تقصفوا الأرتال المتمردة رغم أننا أعطيناكم تعليمات بذلك؟ فقال له الطيارون: السرعة الفائقة لطائرات ''ميغ''21 كانت ستؤدي إلى مجزرة كبرى في حق المدنيين، لذلك كنا نطير على علو منخفض بسرعة 5,2 سرعة الصوت للتخويف. فقال لهم بومدين: حسنا فعلتم، لأن إذاعات الخارج تضخم الخسائر وتتحدث عن آلاف الضحايا. ولم تتم معاقبتهم، بل وعدهم بومدين بالترقية.

    ولكن من أعطى التعليمات لهؤلاء الطيارين بعدم ضرب فيالقكم؟

    عبد الحميد لطرش، قائد القوات الجوية، هو من أعطى تعليماته بعدم ضرب فيالقنا مباشرة، وقال للطيارين: هؤلاء إخوانكم.. خوفوهم ولا تقتلوهم. وهذه القصة رواها لنا الطيارون أنفسهم بحضور العقيد زبيري وعبد الحميد لطرش وضباط آخرين. وكان سليمان هوفمان قد هددهم بالتحويل إلى المحاكم العسكرية، قبل أن يتدخل بومدين.

    زبيري يتحدث عن تدمير طائرات بومدين لتسع دبابات، ولكنك تقول إنها لم تصب أي دبابة، فهل من توضيح أكثـر؟

    كنت في فيلق الدبابات، ولم تصَب أي دبابة، باستثناء دبابة أو اثنتين، إحداهما عطبت بسبب انثناء ماسورتها المدفعية أثناء محاولتها النزول أسفل الجسر. ولم يُقتل من جنودنا سوى اثنين أو ثلاثة، بل على العكس من ذلك فقد تمكنا من إصابـة طائرتين، الأولى من نوع ''ميغ''17، التي كان يقودها الطيار (ب، أ)، وأصيبت بمدفع رشاش مثبت على ظهر دبابة، ولكن الطائرة تمكنت من العودة إلى قواعدها بصعوبة، أما الطائرة الثانية من نوع ''ميغ''21، وكان يقودها الطيـار (ت، ر) وتمكـن مـن الرجوع بها إلى مطار بوفاريك بصعوبة. وعلى صعيد آخر كانت هناك طائرتان من نوع ''أنتونوف'' جاهزتين للطيران إلى المغرب، في حال زحف وحدات زبيري نحو العاصمة.

    من هم الأشخاص الذين كانت ستقلّهم هاتان الطائرتان؟

    بومدين والقادة الموالون له، وكان يقود الطائرة الأولى طيار يسمى (ب...)، أما الطيار الثاني فيدعى (د...).

    عدة شهادات تتحدث عن إصابة الطائرات الحربية لمدنيين، وحتى لجنود موالين للعقيد بومدين، فكيف أخطأتكم وأصابت غيركم؟

    قام الطيران الحربي بقصف مواقع الطلبة الجنود المحسوبين على قوات بومدين عن طريق الخطأ، وسقط عدد كبير منهم بين قتيل وجريح. ولما جاء زبيري لتفقد قواتنا، مساء ذلك اليوم، وعلم أن طائرات بومدين أصابت 60 فردا من الطلبة الضباط، قال لنا: ''بومدين الذي أعطى الأوامر للطائرات التي زرعت الموت وحصدت أكثر من 60 شخصا من الطلبة العزل، فليتحمل لوحده هذه الدماء التي سالت، ولن يلفقها لنا أحد''.

    هل صحيح أنكم سيطرتم على مدرسة الدفاع الجوي عن الإقليم في الرغاية، وعلى مخزن للذخيرة والوقود في حمام ريغة، وكذلك على قافلة سلاح؟

    لم نستولِ على مخزن للذخيرة، وإنما استولينا على شاحنات محملة بالذخيرة والسلاح كانت موجهة لقوات بومدين، استولينا عليها بتواطؤ مع مسؤولي هذه القافلة الذين كانوا موالين لنا. أما مدرسة الدفاع عن الإقليم فسيطر عليها ضابطان مواليان لنا، أحدهما يسمى قمعون والثاني نويوة، وتحدثا هاتفيا مع الأمين العام لوزارة الدفاع، عبد القادر شابو، وقالا له: صواريخنا مصوبة نحو مقري الرئاسة ووزارة الدفاع، ونحن على استعداد لقصفهما. ولكن هذا الكلام كان للتخويف فقط، ولم تكن هناك نية لقصف مقري الرئاسة ووزارة الدفاع بالصواريخ.

    من هم أعضاء مجلس الثورة الذين لبوا دعوة الطاهر زبيري للاجتماع في البليدة؟

    العقيد يوسف الخطيب (سي حسان) قائد الولاية الرابعة، العقيد محند أولحاج قائد الولاية الثالثة (القبائل)، وكان قادما إلى البليدة، لكن قوات بومدين أرجعته، صالح بوبنيدر قائد الولاية التاريخية الثانية وصل إلى البليدة ومكث في مقر محافظة الحزب، أما السعيد عبيد فأُزهقت روحه في ظروف جد غامضة لا يعلمها إلا الله. والسبب الرئيسي في إخفاق العقيد زبيري أنه كان إلى آخر لحظة يفضل التفاوض مع بومدين، على تنحيته من الحكم، إلا أن العقيد بومدين كان يؤمن بالمبدأ المكيافيلي ''الغاية تبرر الوسيلة''.

    إذن البقية لم يكونوا يؤيدون زبيري؟

    على العكس ففي ليلة من ليالي جانفي 1968 أخرجني بومدين من الزنزانة، وسألني، بحضور أحمد دراية النائب العام للمحكمة الثورية: ماذا كنتم ستفعلون ببن بلة؟ فقلت له زبيري لم يخطر بباله أن ينزعك ويعوضك ببن بلة، ولكننا كنا نخشى أن يغتال. ثم سألني: من هم أعضاء مجلس الثورة الذين كانوا معكم؟ فقلت له: جميع أعضاء مجلس الثورة، باستثناء الرائد عبد الله بلهوشات، والرائد عبد القادر شابو، والعقيد أحمد بن شريف، وأحمد مدغري. فقال لي بومدين: لدي معطيات عن كل فرد منكم، ولكنكم لستم مسؤولين، وإنما المسؤولون (عن أزمة 14 ديسمبر 1967) هم أعضاء مجلس الثورة. وركزت على أن حركتنا كان هدفها حماية مقر الاجتماع، والحفاظ على حياة بن بلة.

    هناك من يحمّل العقيد زبيري مسؤولية مأساة آلاف الجزائريين بسبب أزمة ديسمبر 1967، فما قولك؟

    للرد على كل الأقاويل المغالطة والمغرضة، وللأسف الشديد، وكما يقال ''الدنيا أعدت لبلاء النبلاء''، فإنني أوضح أن الصراع الذي حصل بين العقيدين الطاهر زبيري وهواري بومدين راجع لكون الأول أراد بناء حوار سياسي دائم وعريق، رافضا اقتراحات الاغتيالات السياسية، ولقد تفاعل مع فكرته الخاصة للحوار سرا وعلانية، قولا وعملا وسلوكا، واضعا نصب عينيه الابتعاد عن الفتنة والوقيعة. بينما رفض بومدين هذا التقارب والتآزر بهذه الطريقة الأخوية، أما بومدين فكان يؤمن أن ''الغاية تبرر الوسيلة'' للانفراد بالحكم.

    آخر كلمة؟

    لحكمة بالغة شفينا من الحقد، واليوم.. يجب أن نتعالى وأن نسامح أمام الله كل من أساء لنا، وأن يرحم كل من توفي، وأن يعيش شعبنا في أمن وأمان.

    انتهى



    تصويب

    وقع خطأ في الحلقة الرابعة، حيث نقل عن الشريف مهدي أن ''قايد أحمد مغربي أخذ الجنسية الجزائرية في 26 جوان ''1965، والأصح أن أحمد مدغري من أصول مغربية، وليس قايد أحمد المولود في تيارت''.
     
    أعجب بهذه المشاركة نائلة

مشاركة هذه الصفحة