يشير العديدون بمرارة لسخف مقاييس هذا الزمن التي تدفع الإنسان لأن يكد ويشقى في سبيل حفنة من الورق يحدد مقدار ما يمتلكه منها مستوى الرفاه الذي بوسعه أن يعيش وأسرته فيه. لهؤلاء نقول بأسف أن القادم هو أشد مرارة واعتباطاً. فأموال المستقبل سوف لن يكون لها حتى قوام ورقي.. أو من أي مادة أخرى ملموسة. نقود الغد الكترونية، أو e-cash. مجرد نبضات كهرومغناطيسية تمثلها خانات ضوئية تسطع على الشاشة أمام عينيك لتنبئك بكم أُودِع في حسابك أو بمقدار ما أنفقت عبر تمريرة بسيطة فوق قارئ الكتروني لبطاقة ممغنطة رقيقة بوسعك أن تُحمِّل عليها (ترميزاً) بكل مدخرات عمرك. هذه الصيغة الالكترونية للمال تفرضها الطبيعة (السايبرية –Cyber) للمعاملات والمؤسسات. فالتجارة باتت الالكترونية، والحكومات راحت تفتتح لنفسها فروعاً شبكية على الانترنت، والهَويات والخدمات صارت رقمية أكثر فأكثر، ولا يصح للمال، قوام الحياة المادية، إلا أن يلحق بالركب ليعيد إحكام قبضته على المنظومة المعيشية، ويستعيد سيطرته على الجموع اللاهثة خلف متغيرات العولمة. وهكذا، تشير الأرقام إلى أن التجارة الالكترونية تنمو بشكل رهيب. فالتبادل المالي الالكتروني بلغ 1.3 تريليون (أو ألف مليار) دولار حسب بعض الإحصاءات خلال العام الميلادي الأخير مقابل 135 مليار للعام الذي سبقه، وهو مرشح للتضاعف سبع مرات بنهاية العام الحالي مع تزايد الإقبال على الخدمات التي توفرها الانترنت من مواقع رخيصة لعرض المنتجات وتواصل عالمي النطاق وفرص لاستقطاب الزبائن والشركاء. وتستأثر السوق الأمريكية بخمسين بالمائة تقريباً من حجم السوق الالكترونية مقابل نحو 25% لنمور آسيا ونسبة أقل للقارة العجوز، أوروبا. ويتصارع باقي العالم على أقل من 5% من حجم التبادل الالكتروني. وبالنظر للواقع العربي، ينافس العرب –والتجارة لعبتهم التاريخية- باثنين من العشرة بالمائة (0.2%) من حجم التجارة الالكترونية العالمية وحسب. أي أنهم لا يشكلون أي ثقل يذكر في هذا المجال. وتتصدر دول الخليج القائمة العربية، وهي تتمتع بفرص أفضل لتوسيع نشاطاتها بالنظر لجودة بناها التحتية نسبياً ومعدل استخدام الانترنت بين سكانها ومستوى قدراتهم الشرائية. كيف هو مستقبل التعامل المالي إذن¿ يرى العديدون أنه سيكون منزلياً.. أو آنياً. بمعنى أن يستطيع أحدنا شراء كل شيء من قارورة المياه وحتى قارب الصيد من منزله ببضع نقرات على لوحة مفاتيح حاسوبه الشخصي.. أو فيما هو يسير على الرصيف عابثاً بحاسوبه الجيبي الذي يتضمن وسيلة للاتصال بالانترنت لاسلكياً. وستوفر مرونة تداول الأموال الكترونياً عناء زيارة المصارف وخسارة الأموال على رسوم الصرف والتحويل. غالباً سيحمل كل منا مصرفه الشخصي معه في هيئة بطاقة ذكية يمكن برمجتها وتخزين القيم المالية عليها واستخدامها للبيع والشراء والاستدانة واستلام الرواتب ونقل الأموال بين الحسابات واستخدامها كبطاقة ائتمان بعد التبضع بين مواقع الانترنت المختلفة وعبر أجهزة قراءة آلية موزعة في كل مكان. وفيما يخص التعاملات بين الشركات، ستؤدي التجارة الالكترونية لفتح أبواب المشاركة والاندماج بين مقدمي الخدمات الذين يحتاجون لبعضهم البعض في البيئة الالكترونية التنافسية القائمة على التكامل. وسيصبح إيجاد الشركاء التجاريين أسهل مع توافر فرص الإعلان وعرض المنتجات على الشبكة النسيجية وغيرها من الوسائل التي ستستولي عليها المنظومة الانترنتية، بما في ذلك الملابس وجدران المباني! والأمل أن يكون في ذلك خير للمستهلك الذي ستبهره خيارات لا متناهية من المنتجات الجديدة.. أو أنه خير موجه للتجار الالكترونيين وحسب¿ الذين لا يكلون من إيجاد طرق جديدة للاستيلاء على ما في جيب المستهلك.. مع رسم ابتسامة عريضة على شفتيه! أعلام تقنية: جيفري بيزوس (1964م – حتى الآن) لو أن هذا التعريف كُتب قبل نحو ثلاث سنين لقدمنا صاحبه كأسطورة للزمن القادم وسلطاناً على الاقتصاد العالمي الجديد. أما وقد تلاشت فقاعة (الدوت كوم) عام 2000م فإننا نقدم (جيفري بيزوس- Jeffery Bezos) كأحد أهم مؤسسي ومحركي مواقع التجارة الالكترونية حول العالم.. وحسب! ولد (بيزوس) في ولاية (نيو ميكسيكو). وأهّله تحصيله العلمي للالتحاق بجامعة (برينستون) العريقة فدرس علوم الحاسبات التي أحبها خلال صباه ليتخرج بمرتبة الشرف الأولى. تنقل (بيزوس) بعد ذلك بين عدد من شركات (وول ستريت) في (نيويورك) في وقت بدأت أسواق المال تعي فيه أهمية تطبيقات الحاسب الآلي في التنبؤ بحركة الأسواق فحقق نجاحات كبيرة. وتميز في شركة (D.E. Shaw & Co.) بفضل موهبته التقنية ونزعته التجارية فصار نائباً لرئيسها خلال فترة قياسية من تعيينه بها. كان كل ذلك يبشر بمستقبل باهر لـ (بيزوس) كموظف بسوق المال ناجح ميسور الحال، مثل الكثيرين غيره، حتى جاء اليوم الذي قُدّر له فيه أن يساهم في تغيير التاريخ التقني.. والاقتصادي. كانت (الانترنت)، عام 1994، غير ذات شأن كبير بالنشاط التجاري كونها ابتكاراً عسكرياً تبنته لاحقاً المؤسسات الأكاديمية. لكن (جيف بيزوس) لاحظ أن الاهتمام بهذا (النت) كان يتزايد وقتها بنسبة 2300%. وبحسه التجاري، قدر أن هذا الاقبال الشعبي ينبغي استغلاله لجني المال كذلك. فركز اهتمامه على أكثر الخدمات التجارية رواجاً في أمريكا وهي خدمات البيع البريدية ولاحظ أن أكثرها ملاءمة للممارسة عبر الانترنت هي تجارة الكتب لصعوبة توزيع قوائم عناوينها الضخمة بريدياً بين المستهلكين ليختاروا منها. تخيل (بيزوس) ما سيحصل لو تم توفير هذه القوائم على شبكة مفتوحة لعدد لا نهائي من الزبائن المحتملين الذين يحددون اختياراتهم ويدفعون أثمانها عن طريق الحاسوب لترسل طلباتهم لهم بالبريد، ودفعه حماسه للنتائج المحتملة للسفر في اليوم التالي مباشرة إلى (لوس آنجلس) ليحضر مؤتمراً لموزعي الكتب الأمريكيين ويتعرف على هذه (السوق)، وليعلم هناك أن دور التوزيع الكبرى تحتفظ بالفعل بقوائم الكترونية بالعناوين المتوفرة لديها. كان كل ما ينقص مشروع (بيزوس) الرائد هو إنشاء موقع على (الانترنت) وتسويق الكتب الكترونياً من خلاله. لكن رؤساء (بيزوس) لم يبدوا اهتماماً بفكرته هذه حين عرضها عليهم، فما كان منه وزوجه (مكنزي) التي كانت زميلته بالعمل إلا أن قدما استقالتيهما واستقلا سيارة قاداتها الزوجة إلى (سياتل) حيث نشأ (جيف) وحيث معارفه وزملاؤه الذين سيعتمد عليهم في مشواره القادم، في حين كان هو مشغولاً إلى جوارها في تحرير صيغة لشركة أحلامهما التي اختارا لها اسم (أمازون – Amazon) تفاؤلاً بالنهر العظيم المتشعب الذي يغذي بخيراته أرجاء أمريكا الجنوبية. بدأ (جيف) الشركة من منزل استخدمه كمستودع ومكتب. وقام بالاتصال بثلاثمائة من معارفه لتجريب الموقع الأولي الذي صممه وربطه بقواعد بيانات موزعي الكتب عبر محطات عمل من طراز (Sun). وحين تأكد من جاهزية موقعه طلب من هؤلاء الثلاثمائة أن ينشروا الخبر. وهكذا وبدون أن ينفق دولاراً على الدعاية والإعلان افتتح (جيف بيزوس) في السادس عشر من يوليو عام 1995م موقع (أمازون) الذي غير وجه التجارة وعرّف استخداماً جديداً للحاسبات وللانترنت. وقد ابتدأ الموقع ناجحاً، فوصلت مبيعاته خلال الشهر الأول لتشغيله إلى العشرين ألف دولار أمريكي في الأسبوع بزبائن من الولايات الأمريكية الخمسين ومن خمسة وأربعين دولة أخرى، لتبدأ معه موجة التجارة الالكترونية التي كرست (بيزوس) زعيماً لها. وواصلت (أمازون) وتيرة تضخمها الجنونية التي حيرت خبراء الاقتصاد مع انهمار الطلبات عليها وتزايد تشعب شبكتها التسويقية. ولم يحل العام 1997م إلا و(بيزوس) يحولها لشركة مساهمة في بورصة (نازداك) ويصبح رئيساً لشركة تقدر قيمتها بثلاثين مليار دولار. وقتها تنبأ الكثيرون بأن هذا الرجل سيطيح بـ (بيل غيتس) من على عرش أغنى رجل وسيتحكم بالعالم، فيما تم اختياره من قبل مجلة (تايم) ليكون رجل العام 1999 وينضم لقائمة طويلة من الشخصيات التاريخية المؤثرة. إلا أنه في الوقت الذي كانت فيه (أمازون) وغيرها من شركات الانترنت تنمو وتتكاثر بلاهوادة، كان (بيزوس) يراقب السوق ويتوقع بخبرته أن تصل دورة النمو هذه لنهاية. وقد كان ذلك في ربيع عام 2000 حين انهارت أسعار أسهم شركات التقنية بعد سنوات من الارتفاع فيما عُرف لاحقاً بفقاعة (الدوت كوم) وأفلست 60% منها، في حين استطاعت الشركات الكبرى ومن ضمنها (أمازون) الصمود في وجه الهزة. كان الانهيار شنيعاً لدرجة أن (بيزوس) نفسه خسر 82% من قيمة أسهمه آنذاك. ومع ذلك فهو يحتل اليوم المرتبة 147 بين أثرياء العالم بثروة مقدارها 2.5 مليار دولار، وشركته الالكترونية توسعت لتلبي طلبات الملابس والاكسسوارات والألعاب والأقراص المدمجة وأجهزة الحاسوب ومتعلقاتها، وهو الآن في طور الاستثمار في مبيعات المعدات الرياضية وإنشاء محركات البحث الداعمة للتجارة الالكترونية. ولا يعرف أحد ما سيخرجه بعد لنا هذا العبقري التقني الذي شكّل بنفسه حقبة من التاريخ، وأثّر في الاقتصادات الكبرى، وقدم لنا وسيلة جد يسيرة للتسوق من داخل بيوتنا. الجُودُ يُفقِرُ.. وتصفح الانترنت كذلك! يقترن مصطلح (التجارة الالكترونية) عند الكثيرين بذكرى انهيار بورصة شركات الانترنت في الولايات المتحدة وآسيا بين عامي 2000 و 2001، عقب تضخم حاد شهدته أسعار أسهمها فيما عرف بفقاعة الدوت كوم (Dot-com Bubble). وبالرغم من هذا الصيت السيء، إلا أن التجارة الالكترونية لم تزل تنتعش وتزدهر، وهي تكسب المزيد من العملاء والأسواق في كل يوم وتتشعب خدماتها لتهيمن على تعاملات الأفراد والشركات. ولا يسع أي مراقب إلا أن يقر بأن مستقبل الاقتصاد الحر تشكله وتحدد ملامحه منظومة التجارة الالكترونية عبر شبكة الانترنت والتي يبدو أنها استفادت من نكسة (الدوت كوم) لتغدو أكثر ثباتاً وقدرة على مواكبة تطلعات السوق ومتغيراته، وأكثر مهارة في استنزاف ما في جيوب المستهلكين كذلك. وسنقدم فيما يلي نبذة عن أهم سمات هذا الاقتصاد الالكتروني الجديد الذي قد يمثل مستقبل التعامل النقدي حول العالم. هوس (الإي) يطال التجارة أحدثت الشبكة النسيجية (The Web) هوساً بإضفاء السمة (الالكترونية) على الأشياء، باعتبار أن كل شيء أصبح أو يكاد يصبح الكترونياً. واستفتح الحرف اللاتيني(e) كل المصطلحات الجديدة من بريد الكتروني (e-mail) وكتاب الكتروني (e-book) وموسيقى (e-music) وتجارة الكترونية (e-commerce) كذلك. ومع وجود تحفظات عدة على المقارنة بين تلك الفنون والخدمات في حالتيها الالكترونية والأصلية، إلا أن التجارة الالكترونية تحديداً تحقق إلى الآن غرض التجارة التقليدية، ونعني بذلك تحقيق الأرباح.. والكثير منها، واستقطاب المستثمرين على نحو يدفع ببعض صناع القرار لتوقع فقدان المراكز المالية الحالية لصدارتها وتميزها التجاري خلال خمسة عشر أو عشرين عاماً مالم تهيء نفسها كبيئات متوائمة مع متطلبات التجارة الالكترونية. ولا شك أن أهم هذه المتطلبات تتمثل في توفر بنية الاتصالات التحتية أولاً ومن ثم وجود التشريعات والأدوات الملائمة التي تضمن أمان وموثوقية التعاملات في البيئة الالكترونية. تخدم التجارة الالكترونية اليوم قطاعين رئيسيين. فهناك قطاع الأعمال (Business-to-Business) أو (B2B) بين المنشآت التجارية والذي يستأثر بنحو ثمانين بالمائة من تعاملات التجارة الالكترونية حول العالم. وهناك قطاع المستهلكين (Business-to-Consumer) أو (B2C) والذي يقدم للأفراد خيارات أوسع للحصول على سلع أجود وبأسعار أرخص نتيجة لغياب الوسطاء، إضافة إلى تشكيلة من الخدمات تغطي السفر والتعليم والطب والأبحاث. وقد بلغت قيمة تعاملات هذا القطاع الأصغر من السوق الالكتروني تسعين مليار دولار خلال العام 2003. تكتسب التجارة الالكترونية كل هذا الإقبال بسبب ميزاتها العديدة. فهي تخرج بالسوق إلى النطاق العالمي فوراً. فبوسع أي كان تأسيس شركة الكترونياً بتدشين موقع ما على الانترنت بالقليل من التكاليف. وستتيح له الشبكة التواصل مع قطاع مستهلكين أعرض ومزودين أفضل وشركاء أكثر ملائمة وبصورة سريعة وسهلة. وتخفض التجارة الالكترونية تكاليف تداول المعلومات المدونة على المستندات الورقية إنشاءاً ومتابعة وتوزيعاً وحفظاً واسترجاعاً. حيث يتم حفظ جميع المعاملات والبيانات الكترونياً في نظام الشركة الحاسوبي وقواعد بياناتها. ولا يتم اللجوء للمستندات الورقية إلا في الحالات الضرورية التي تحتمها الإجراءات القانونية مثلاً. وعل صعيد آخر، توفر التجارة الالكترونية القدرة على ممارسة نشاطات دقيقة التخصص. فالراغب في المتاجرة في مستلزمات رياضة كرة اليد تحديداً، على سبيل المثال، يمكنه أن يفتتح موقعاً الكترونياً لهذه التجارة. في حين أن تكاليف إنشاء أو استئجار صالة عرض وتوظيف بائعين فيها سوف تجبر التاجر على تنويع بضائعه لكسب الزبائن وتغطية المصاريف وإن كان لا يجيد سوى بيع كرات اليد ومرفقاتها. كما تسمح التجارة الالكترونية بخفض ما يتم خزنه من البضائع الفائضة من خلال أساليب التصنيع الآني (Just-in-time Manufacturing) التي تضمن توفر الموارد والعمال وتصنيع السلع على قدر وعند حاجة السوق وتوفر بالتالي أفضل جودة وكلفة إنتاج، وخدمات موافقة لمتطلبات العميل الخاصة، وهو ما يعطي الشركة الالكترونية أفضلية تجارية على منافسيها. ولعل شركة (دِل - Dell) لتصنيع الحواسيب تمثل أكبر قصة نجاح في هذا الصدد. تخفض التجارة الالكترونية أيضاً تكاليف الاتصالات الأخرى. واستخدام الانترنت هو أرخص بكثير من شبكات القيمة المضافة (Value Added Networks) والتي كانت الشركات تعتمد عليها لتسهيل تبادل البيانات فيما بينها وبين شركائها أو عملائها. ناهيك عن فوائد أخرى تشمل تحسين خدمة الزبائن وتسهيل إيجاد شركاء تجاريين جدد وخفض تكاليف المواصلات والأهم من ذلك كله زيادة المرونة في التعامل. فيما يخص المستهلك، فإن المتاجر الالكترونية تشرع له أبوابها على مدار اليوم والسنة. وهي لا تعيق تعاملاتها الحواجز الجغرافية مادمت الانترنت موجودة. كما توفر هذه التجارة في الكثير من الأحيان عروضاً أرخص من مثيلاتها التقليدية لأن المشتري يستطيع أن يتسوق في عدد من مواقع الشركات ويقارن بضائعها بسهولة ليحصل على أفضل عرض في نهاية الأمر. ويمكننا تخيل مدى الصعوبة اذا استلزم الأمر زيارة كل موقع جغرافي مختلف لأجل إجراء عمليات مقارنة البضائع وحسب. وفي حالات معينة ومع المنتجات الرقمية خاصة كالكتاب الالكتروني، تتيح التجارة الالكترونية للمشتري استلام السلعة فورياً عن طريق تنزيلها على جهازه من موقع المتجر الالكتروني مباشرة. وتوفر التجارة الالكترونية الآن للمتسوقين متعة الاشتراك في المزادات الافتراضية. ويتمتع موقع (eBay) بالصدارة المطلقة في هذا المجال (تبادل أعضاؤه بضائع بقيمة 9 مليارات دولار عام 2001). على نطاق المجتمع ككل، تشجع التجارة الالكترونية المنافسة مما يستتبع خفضاً للأسعار. وهو ما سيناسب كثيراً من الأفراد ذوي الدخول غير المرتفعة ويزيد من فرصهم الشرائية ويغريهم أكثر بالإنفاق مما يعني ارتفاعاً في مستوى المعيشة بالمجتمع. كما أنها تجارة تسمح للفرد بأن يعمل من منزله وتقلل الوقت المستهلك في التنقل والتسوق مما يعني ازدحاماً مرورياً أقل في الشوارع وتلوثاً أقل للهواء في بعض المجتمعات. وهكذا تقوم التجارة الالكترونية عل خدمات الانترنت المتوفرة حالياً، وهي مع ذلك تعد بتقديم عملتها الرقمية الخاصة الملائمة لتعاملاتها الالكترونية. عملة المستقبل.. رقمية؟ قبل تقديم فكرة النقد الالكتروني يجدر أن نُعرّف بإيجاز مصطلحات ملحقة بنظامه. فالتوقيع الالكتروني (electronic signature) يعتبر هو الوسيلة التي تتم بها عملية التوثق (Authentication) من شخصية الطرف الآخر. وكما التوقيع العادي يستخدم نظيره الالكتروني رمزاً خاصاً للتدليل على شخصية الموقع. والرمز هنا عبارة عن شفرة (Inscription) مكونة من الحالتين 0 و 1 يتم من خلالها ختم الرسالة أو المستند الالكتروني بحيث لا يمكن الاطلاع على محتواه إلا باستخدام المفتاح التشفيري الصحيح. وتطابق هذا المفتاح مع المفتاح المخصص للشخص في توقيعه الالكتروني يدل على سلامة هذا التوقيع الذي يتم إصداره أصلاً من قبل هيئات متخصصة مستقلة. وتعتبر نظم التشفير والتوثيق هذه بمثابة صمام الأمان لمنظومة التجارة الالكترونية بأسرها وضمان استمراريتها إن كتب لها ذلك، وهو ما يفسر الضجة التي أثارتها نظريات الحوسبة الكمية (Quantum Computing) قبل عدة سنوات والتي بشرت بحواسيب يمكنها فك الشفرات التي اجتمع العلماء على استحالة اختراقها وذلك خلال فترات وجيزة. بدأ التعامل النقدي عبر الشبكات الالكترونية منذ السبعينات الميلادية عندما تم تقديم خدمات التحويل بين الحسابات وبطاقات الائتمان وماكنات الصرف الآلية. وفيما تَعد تلك الخدمات بتوفير الأوراق النقدية للعميل في أي مكان وخصم قيمتها من حسابه البنكي، فإن مبدأ (النقد الالكتروني) يقوم على تجاوز الحالة الورقية أو المعدنية للعملة والاستعاضة عنها بالحالة (الالكترونية) لها. يمكن اعتبار الشيكات الالكترونية (e-checks) بمثابة أساس للنظام النقدي الالكتروني. وكما يتكون الشيك التقليدي من مستند ورقي ممهور بتوقيع معين ومجاز من قبل طرف ثالث بين المتعاقدين (البنك)، فإن الشيك الالكتروني ليس إلا رسالة حاسوبية متضمنة لتوقيع الكتروني يتم التأكد من صحته عبر عمليات رياضية معينة. وبنفس الطريقة التي يمثل الشيك الورقي المسؤولية المالية التي تتحملها المؤسسة المصرفية، يمثل الشيك الالكتروني المسؤولية ذاتها. وفيما يمكن إرسال الشيك العادي عبر البريد، فإن الشيك الالكتروني يمكن إرساله عبر البريد الالكتروني أو الشبكة النسيجية. هذا التعريف للشيكات الالكترونية يصلح كذلك لتغطية النقد الالكتروني (e-cash) والذي يمثل مجمل الوثائق الالكترونية المصدقة بتواقيع رقمية والتي تعكس مقدار الأصول النقدية التي يمتلكها شخص أو مؤسسة ما. ويفترض أن يقترن تبادل هذا النقد الالكتروني عبر وسائل الاتصال الالكترونية بتبادل مقابل لوحدات نقدية فعلية يتيح الحصول على البضائع والخدمات على النحو المعتاد. ومع انتشار استخدام الانترنت في المعاملات البنكية وازدهار التجارة الالكترونية عطفاً على الأسباب السالف ذكرها، يتم تقديم النقد الالكتروني كوسيلة تعامل تجارية عبر الانترنت. ويطمح القائمون على هذه الفكرة لجعلها بديلاً للسيولة النقدية وليس للنظام النقدي ككل. بمعنى أن المتعامل سيظل محتاجاً لوجود رصيد بنكي يغطي تعاملاته بالعملة الورقية، لكن النقد الالكتروني سيكون هو العملة التي سيتم تداولها في عالم الانترنت أو عبر أي وسيلة اتصال الكترونية أخرى. ولعل (البطاقات الذكية –Smart Cards) تمثل المحفظة الالكترونية التي سيخزن أحدنا فيها ثروته من هذه العملة. والبطاقة الذكية هي عبارة عن بطاقة تحوي معالجاً دقيقاً وذاكرة تسمح بتخزين قيم الأموال الالكترونية من خلال البرمجة المدعمة بالخوارزمات الأمنية. ويمكن لحامل هذه البطاقة التي تعمل أيضاً كوسيلة تحديد هوية ورخصة قيادة وملف شخصي وطبي ومهني لصاحبها، يمكنه التعامل عبرها مع بقية الحاسبات الآلية بلا تفويض أو تأكيد صلاحية لنقل الأموال من المشتري إلى البائع. وقد كان أول استخدام واسع النطاق لهذه التقنية أثناء دورة الألعاب الأولمبية في (أتلانتا) عام 1996. لهذه البطاقة قدرات اتصال أعلى من تلك التي تتمتع بها البطاقات الائتمانية ذات الشريط المغناطيسي الذي يتم تمريره على قارئ آلي. ففي حين تصل نسبة الخطأ بالشريط المغناطيسي إلى 250 لكل مليون معاملة. فإن نسبة الخطأ للبطاقات الذكية لاتزيد على المائة لكل مليون. ويتوقع أن تخفض التطورات المستمرة في تقنية المعالجات هذه النسبة لحد كبير. كما أن المعالجات الموجودة في البطاقات الذكية تقوم بالتأكد من سلامة كل العمليات من محاولات الاحتيال والخداع. فعندما يقدم المشتري بطاقته، فإن المعالج الدقيق الموجود في مسجل النقد الالكتروني للبائع سيتأكد من جودة البطاقة الذكية من خلال قراءة التوقيع الرقمي المخزون في معالجها والذي يتم تثبيته عليها بواسطة شيفرة أمنية تؤكد لمسجل النقد الالكتروني بأن البطاقة الذكية أصلية ولم يتم العبث بها أو تحوريها. وهكذا لا يحتاج صاحب البطاقة في نظام البطاقات الذكية المفتوح لتحويلات الأموال الالكترونية أن يثبت هويته عند البيع أو الشراء متى ما استصدر بطاقته عبر الوسائل المشروعة. تبدو فكرة التعامل بالبطاقات النقدية مغرية لأنها تخفف من عناء حمل الرزم المالية وعدها (فكّر أن تتنقل بمائة ألف ريال في جيبك!) كما أنها أكثر أمناً وأقل إغراء بالسرقة. وحتى في حال سرقتها أو ضياعها يمكن إلغاء عمل البطاقة وصيانة القيمة الحقيقة للأموال المخزنة عليها. وهذه كلها ميزات تتمتع بها بطاقات الائتمان الموجودة حالياً لكن البطاقات الذكية تتفوق في كونها تريح صاحبها من عناء التسديد للمؤسسة المالية طالما هي مرتبطة بحسابه البنكي مباشرة، وهي توفر قدراً أكبر من الخصوصية والسرية في التعاملات وتجعل من إمكانية تعقب التحركات المالية عبرها مهمة شبه مستحيلة، وهذا في حد ذاته سلاح ذو حدين يُخشى أن تستغله عصابات تبييض الأموال وتهريبها. كما أن الاستيلاء على الحسابات الذكية واستغلالها من قبل الغير أمر بالغ الصعوبة مقارنة بالبطاقات الائتمانية. ولأن البطاقات الذكية تمثل قيماً رقمية للمال فهي تسهل تحويل المبالغ بين الحسابات والتحويل بين العملات الكترونياً ودون اللجوء للمؤسسات البنكية. ويبقى أن البطاقات الذكية مصممة خصيصاً للاستخدام عبر الانترنت مما يمنحها أفضلية مستقبلية. تحديات التجارة الالكترونية بالرغم من كل الزخم الذي تتمتع به التجارة الالكترونية على الانترنت، إلى أن تطبيقاتها ما تزال تواجه العديد من التحديات المتفاوتة في شدتها بتفاوت المجتمعات تقانياً وفكرياً. فلا يزال هناك نقص في الاعتمادية والأمان والمعايير لدى بروتوكولات الاتصال الموجودة حالياً. ويصعب وصل الانترنت وبرمجيات التجارة الالكترونية مع بعض التطبيقات وقواعد البيانات المستخدمة الآن. إضافة لنقص حاد في بنى الاتصالات التحتية في العديد من الدول وتخلف تجهيزاتها من برمجيات ومعدات وافتقارها لنطاق البث (Bandwidth) السلكي واللاسلكي اللازم لثمة تبادل بيانات مكثف. ولا شك في أن استخدام خدمات الانترنت مايزال باهظ الثمن على الكثير من الناس وسرعة الاتصال ماتزال بطيئة في الكثير من دول العالم وهو ما يعيق انتشار هذه التجارة. على صعيد آخر، ما تزال كلفة تطوير أدوات التجارة الاكترونية ذاتياً بواسطة الشركة الراغبة في خوض هذا المجال عالياً جداً. وقد تتسبب الأخطاء الناتجة عن قلة الخبرة في أعطال مكلفة للغاية تجارياً. وتشكل قضايا الأمن والخصوصية أهم مبررات إحجام الناس عن تجربة هذا النوع من التجارة بدواعي الخوف من الكشف عن خصوصياتهم من أرقام حسابات أو بطاقات ائتمان أو معلومات شخصية. كما أن البعض قد لا يثق بالباعة الخفيين المتسترين خلف مواقع انترنت أنيقة ولا يرضيه إلا التعامل وجهاً لوجه وبالنقد الورقي لا الالكتروني. ولعل نقطة الضعف الأكبر في نظام التجارة الالكترونية تتمثل في انعدام القدرة على معاينة السلعة مباشرة وملامستها وهو ما يحدد قرار المشتري في النهاية. فجل ما يعرضه موقع المتجر الالكتروني هو صورة المنتج من أكثر من زاوية إضافة لرأي الزبائن السابقين فيه وهذا لا يفي بتطلعات العميل المتشكك. وربما كان في تطوير تقنيات اللمس عبر الانترنت ونقل الحواس الكترونيا دعم مستقبلي لهذا الشأن. وتبقى الكثير من الأمور القانونية التي لم يتم حسمها بعد في تفاصيل التجارة الالكترونية خصوصاً فيما يتعلق بعقوبات القرصنة وحماية الملكية. بالرغم من ذلك كله فإن لغة الأرقام تشير إلى أن التجارة الالكترونية تتقدم وبقوة لتفرض نظامها على الأسواق ولتحدد لنا الطريقة التي سننفق بها نقودنا لا لنحصل على الكماليات وحسب بل وعلى محتويات ثلاجاتنا وأثاث منازلنا وسياراتنا الجديدة في القريب. وأياً كان مستقبل هذه التجارة فإن تطلع الحكومات لركوب موجتها يبشر بتحسين بنى الاتصالات ونظم المعاملات التجارية والرسمية وهو ما سيعود على الفرد والمجتمع بالفائدة على كل حال