محاضرة بعنوان"اللغة العربية وضمير الأمة" إلقاء:: بدر الدين سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان المكان :: جامع السلطان قابوس الأكبر التاريخ :: 25جمادى الثاني1431 هـ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان ، وشرف اللسان العربي على كل لسان ، إذ جعله وعاء ذكره الحكيم وبيان صراطه المستقيم ، أنزل به كتابه وجعله معجزاً بيانه ساطعاً برهانه شامخاً برهانه ، تحدى به الأمم فعجزت عن أن تأتي بمثله أو عن تأتي بسورة من مثله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله الله بأحسن الألسن وأبلغ البيان وأقوى البرهان فبلغ رسالة ربه وأدى أمانته ، وبين للناس الطريقة وكشف لهم معالم الحقيقة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى تابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد فالسلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة الله وبركاته.. أحييكم جميعاً بهذه التحية الطيبة المباركة وأشكر الله سبحانه وتعالى الذي جمعنا هنا تحت لواء اللغة العربية ، اللغة التي تجمع الأمم لأنها اللسان الذي خاطب الله سبحانه وتعالى به عباده وأمرهم أن يخاطبوه به ، فاللغة العربية ليست ملكاً للعرب وحدهم إذ هي ليست لغة قومية بعد أن اختارها الله سبحانه وتعالى لأن تكون وعاءً لكلامه المنزل بالهداية والإعجاز، فهي كانت لغة قومية قبل ذلك عندما كانت خاصة بالعرب وحدهم ، ولكن بعد أن شرفها الله سبحانه وتعالى ورفع من قدرها إذ أنزل بها هذا الكتاب المبين وشرفها بأن تكون وعاء هذا الذكر الحكيم وأن تكون بيان هذا الصراط المستقيم لم تعد لغة العرب وحدهم وإنما أصبحت لغة الأمة المسلمة بأسرها ،لا فرق في ذلك بين عربي وأعجمي ، ولا فرق في ذلك بين أسود وأبيض لأن هذه اللغة هي التي خاطب الله سبحانه وتعالى بها عباده جميعاً إذ أنزل بها هذا الكتاب العزيز الذي أخبر أنه ذكرٌ للعالمين ، وفرض على عباده أن يخاطبوه بها عندما يقف الكل بين يديه ويقولوا بلسانٍ عربي مبين ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ )) ، فإذن هي لغة التخاطب بين العباد وبين ربهم ، ومعنى هذا أنها رباطٌ كما أن العقيدة رباط ، فهي رباط بين الناطقين بها كما أن العقيدة رباط بين المؤمنين بها. ولا ريب أن لغة كل أمة من الأمم إنما هي وعاءٌ حضاري ، إذ اللغة هي التي تجمع شتيت معلوماتهم وتؤلف بين علاقاتهم وتصل فيما بينهم ، ولذلك كانت اللغة جسراً تعبر عليه الثقافة ، وقد أدرك المستعمرون ذلك فلذلك رسخوا لغاتهم في أي مكان ينزلون به ، إذ المستعمر أياً كان إنما يفرض لغته على من تسلط عليه ، فالإنجليز فرضوا لغتهم في أي بقعة استعمروها وجعلوها هي لغة الثقافة ولغة العمل ولغة الفكر وكذلك الفرنسيون وكذلك الروس وغيرهم فكل أمة مستعمرة إنما تفرض لغتها ، وقد قلت أكثر من مرة بأنه من العار على المسلم أياً كان أن يحسن لغة المستعمر الذي استعبده وأذله ولا يحسن اللغة التي شرفه الله سبحانه وتعالى بأن خاطبه بها ليحرره من العبودية لغير الله سبحانه وتعالى فإذن العناية باللغة العربية دَينٌ في رقاب الأمة جميعاً . ونحن ندرك أن السلف أدرك هذه النقطة واهتم بها أيما اهتمام ، فنحن نرى كيف جمعت هذه اللغة بين العرب والعجم بل كان العجم أكثر عناية بها ومفاخرة بها وتضحيةً من أجلها ، خرحوا إلى أصعاق الأرض يبحثون عن أي شيء يمكن أن يظفروا به من اللغة العربية ، لربما سافر أحدهم من أجل البحث عن بيتٍ من الشعر ، أو سافر من أجل البحث عن شاهدٍ معين فيما يتعلق باللغة العربية ولربما قطع المسافات من أجل التأكد من معلومةٍ لم يكن متأكداً منها من قبل ، كل ذلك من أجل العناية بالعربية ، وقد كانت هذه اللغة معقد تفاخرهم ومناط تنافرهم ، فهم يحرصون على أن يظهروا بأنهم متمكنون منها ، فهم يتفاخرون بها ، وقد وقع التنافر والتفاخر في ذلك بين سيبوبه والكسائي إماميّ العربية وهما من العجم واشتد تنافرهما في قضيةٍ معينة كانت سبباً لحتف سيبوبه لأنه مات كمداً بسبب أن السلطة وقفت بجانب الكسائي وبعثت الناس على تأييده وإن كانوا غير مؤمنين بما يقولون به ، وهذا مما أدى إلى أن يحس سيبويه بظلمٍ عظيم من هذه الناحية وكان ذلك سبباً لحتفه. فإذن اللغة العربية كانت معقد عناية العجم كما أنها كانت شرفاً للعرب ، عنوا أيما عناية بها وكانوا يفاخرون بهذا حتى إن الزمخشري الأعجمي في فاتحة كتابه المفصل قال: ( الله أحمد على أن شرفني بأن جعلني من علماء العربية ) نعم إنه لشرفٌ وأي شرف لأن هذه اللغة اختارها الله سبحانه وتعالى لأن تكون وعاءً لكلامه العظيم الذي أنزله ليتحدى به الأمم جميعاً وليبين للناس أنه الحق المنزل من عند الله سبحانه وتعالى عندما تتقاصر عباراتهم جميعاً عن أن تضاهي عبارته ، فقد تُحُدِّي العرب ، وعندما نزل القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كانت اللغة العربية بلغت أوجها الشامخ والعرب كانوا ممسكين بناصيتها لأنهم روضوها أي ترويض فانقادت لهم في شعرهم ونثرهم ، وكانوا يحضرون المساجلات والمسابقات في الأسواق المخصصة لذلك وقد وصلت اللغة في ذلك الوقت إلى ما وصلت إليه بعدما صقلتها الألسن العربية تمهيداً لأن تكون وعاءً لكتاب الله سبحانه وتعالى ، فكان العرب على أي حال عندما نزل القرآن الكريم على قلب النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم بلغوا من البلاغة ما تتقاصر عنه الهمم في جميع العصور السابقة واللاحقة ، إذ كانت الجزيرة العربية تزخر بهذه الأفواج من الخطباء والشعراء الذين كانوا يتسابقون في مضمار بيان نظمه ونثره ولا يُشق لهم في ذلك غبار ، وكانوا يتفننون أيما تفنن ، فتُحُدوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن فتقاصرت هممهم وعجزوا وعدلوا عن المجادلة باللسان إلى المجادلة بالسنان ، آثروا القتال على محاولة الإتيان بمثل القرآن لأنهم أدركوا أنهم لو حاولوا أن يأتوا بمثله لما كان منهم إلا الإسفاف الذي يربأون بأنفسهم عن أن ينزلوا لحضيضه فأمسكوا ، وتُحُدوا أن يأتوا بعشر سورٍ من مثله فعجزوا ، وتُحُدوا أن يأتوا بسورةٍ من مثله فعجزوا ، وقد أُرخِي لهم العنان ووُسِع لهم الميدان بحيث يمكنهم أن يستعينوا بأي أحد ..يمكنهم أن يستعينوا بشهدائهم عندما يدّعون أنهم جاءوا بمثل القرآن ولكنهم مع ذلك كله أمسكوا عن هذا لما يخافونه من الإسفاف لأن شياطينهم أنفسهم أدركوا هذا الأمر واستقر في وجدانهم ، فقد أدركوا أنهم عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن الكريم ، لا يمكنهم بحال من الأحوال ، حتى أولئك الماردون الجبارون إعترفوا بهذه الحقيقة كما كان ذلك من الوليد بن المغيرة وعتبة بن أبي ربيعة عندما اعترفا بهذه الحقيقة على رغم أنفيهما. وهذا تكرر في عهود التأريخ قديمه وحديثه ، إذ كثيرٌ من أولئك الذين يتحدون القرآن ويحاربون القرآن ويحاربون عقيدة الإيمان إعترفوا بأن القرآن بلغ من الإعجاز ما تتقاصر دونه بلاغات البلغاء جميعاً ، هذا ما اعترفوا بأنفسهم كما كان في القرن الماضي من شِبل شٌميِّل الذي كان أحد الذين ينشرون الإلحاد في البلاد العربية ويروجون له عندما اعترف بذلك نظماً ونثراً عندما كان يقرأ مجلة المنار التي كان يحررها السيد محمد رشيد رضا وقد خصص فيها صفحات لذكر مناقب النبي صلى الله عليه وسلم ، وجه إليه رسالة مختصرة يقول له فيها: ( إلى غزالي عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار انت تنظر الى محمد كنبي وتجعله عظيماً وأنا أنظر اليه كرجل وأجعله أعظم ونحن وإن كنا في الاعتقاد الديني أو المبدأ الديني على طرفي نقيض فإننا يجمع بيننا العقل الواسع والاخلاص في القول وذلك أوثق لعرى المودة بيننا) ثم كتب تحت عنوان «الحق اولى ان يقال» هذه الأبيات: دع من محمد في سدى قرآنه ما قد نحاه للحمة الغايات إني وإن أك قد كفرت بدينه هل أكفرن بمحكم الآيات أو ما حوت في ناصع الألفاظ من حِكم الروادع للهوى وعظات وشرائع لو أنهم أخذوا بها ما قيدوا العمران بالعادات نعم المدبر والحكيم إنه رب الفصاحة مصطفى الكلمات رجل الحجى رجل السياسة والدها بطلٌ حليف النصر في الغارات ببلاغة القرآن قد غلب النهى وبسيفه أنحى على الهامات من دونه الأبطال في كل الورى من سابق او حاضر او آت وهذا الأمر يتكرر باستمرار حتى ان المستشرقين وهم من غير العرب طبعاً عندما درسوا اللسان العربي ودرسوا القرآن المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم للهداية والاعجاز اعترفوا بأن آية هذه الرسالة هي في في هذه المعجزة ، في معجزة القرآن الذي لا يمكن أن يرقى الى بيانه أي بيان ولا يمكن ان يأتي أحد بمثله قط حتى أن أحد المستشرقين الفرنسيين عندما تُرجمت 62 سورة من القرآن الكريم الى اللغة الفرنسية بتوصية من وزارة التعليم الفرنسية ووزارة الداخلية كتب أحد المستشرقين تقديماً لهذه الترجمة وقال في هذا التقديم (إن القرآن لا يمكن أن تفي به لغة إلا لغته الخاصة التي نزل بها ولا يمكن أن يفي بعجائبه أسلوب إلا أسلوبه الخاص فإنه أسلوبٌ إلهي ولذلك أعجز البشر بسحر بيانه). نعم هم يعترفون بأن القرآن الكريم أعجز البشر بسحر بيانه. فإذن اللغة تكون وعاء لهذا الكتاب العزيز الذي اعترف المعترفون جميعا على اختلاف مللهم وعلى اختلاف أفكارهم واختلاف وتباين أحوالهم بأنه لا يمكن أن يرقى الى بيانه بيان ولا يأتي بمثله أسلوب هي جديرة بأن تلقى كل عناية منه. نعم هذه اللغة كما قلت إنما يفاخر كل مسلم بإتقانها هذا ما وجدناه من الذين عنوا باللغة العربية وعنوا بفهم الاسلام في وقتنا هذا فهم يعنون أيما عناية بأن يبرّزوا في اللغة العربية ويجعلوها مفخرتهم في حديثهم وفي خطابهم للآخرين ، قبل فترة من الزمن إنعقد مؤتمر في باكستان وحضره وفود من مختلف بلاد العالم في عهد الرئيس الجنرال ضياء الحق ودخلت الوفود عليه فتكلم باسم الوفود الشيخ حمدي يوسف الذي كان إبان ذلك مفتي يوغسلافيا وهو رجل بوسني ، أي معنى ذلك هو رجل أعجمي ، وهو يتقن اللغة الانجليزية وبإمكانه ان يكلم بها ضياء الحق ولكن بدلاً من أن يكلمه باللغة الانجليزية كلمه بالعربية فلما قيل له في ذلك وقيل له كان بإمكانك أن تكلمه من دون أن يترجم له أحدٌ كلامك فلماذا عدلت عن اللغة التي يفهمها إلى اللغة التي لا يفهمها؟ كلمته باللغة العربية. قال: وهل يليق بمسلم يمكنه أن يتحدث بالعربية أن يتحدث بغيرها؟!! هذا الاعتزاز باللغة العربية إنما هو دليل على الاعتزاز بعقيدة الإسلام وعلى الاعتزاز بالانتماء إلى الإسلام والرغبة في أن يعيش صاحب هذا الاعتزاز عيشة تكون امتداداً لعيشة أولئك الذين كرعوا من معين هذه اللغة وتشبعوا بها وأروتهم وشغلتهم عن كل اللغات وشغلهم أدبها عن كل ادب ، نعم هذه هي اللغة العربية التي يفاخر بها المفاخرون بسبب أن الله سبحانه وتعالى شرفها لأن تكون وعاء لكتابه العزيز ، قبل ذلك لم يكن الناس يفاخرون بها. ولذلك كانت اللغة العربية مدينة للقرآن كما إن الإسلام أيضا إنما هو مدين للقرآن الكريم ، إذ لولا القرآن لما بقي الاسلام ولولا القرآن لماتت العربية كما ماتت اللغات القديمة الأخرى وإنما العناية بالقرآن هو الذي شغل الناس بالعربية وكان أبناء العجم يفاخرون بأنهم يؤلفون بها وأنهم يبرِّزون في التعبير بها ، وقد وصلوا إلى ما وصلوا إليه فكتب العجم فاقت حتى كتب العرب من هذه الناحية ، نحن لو جئنا الى كتاب سيبويه في النحو هو أصل الكتب التي ألفت فيما بعد وكذلك اذا جئنا الى الكتب الأخرى التي ألّفها أبناء العجم في شتى الفنون المتعلقة بالعربية لو جئنا الى كتابيّ الجرجاني دلائل الاعجاز واسرار البلاغة وجدنا ان هذين الكتابين يفوقان كل كتاب ألف في مجال البلاغة وهكذا. فمعنى ذلك أن العجم برّزوا في تأليفهم بهذه اللغة. قبل فترة وجيزة حدثني أحدٌ من عندنا أنه حضر مؤتمراً في إحدى الدول التي كانت تحت لواء الاتحاد السوفييتي من قبل وحضرت الوفود من كل مكان من بينها وفود العرب وحضر رجل من الهند من ندوة العلماء بالهند فتكلم باللسان العربي وبزت بلاغته بلغاء العرب الذين حضروا ، فمعنى ذلك أن اللغة العربية هي لغة الجميع ، وقد يسرها الله تبارك وتعالى كما يسر القرآن للذكر. ونجد من شواهد هذا انه عندما آذن القرن الرابع عشر بالانتهاء وأقبل الخامس عشر الهجري نظم القسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانية مسابقة شعرية في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم فاشترك في هذه المسابقة ألف ومئتان من الشعراء ولم يكن الفائز الأول في حلبتها عربياً وإنما كان إفريقياً من السنغال هو الشاعر عبدالله با الذي افتتح قصيدته بقوله: هجرت بطاح مكة والهضابا وودعت المنازل والرحابا تخذت من الدجى يا بدرُ ستراً ومن رهبوت حلكته ثيابا ومن عَجَبٍ تسيء إليك أرضٌ نشأت فما أسأت بها شبابا فما هذا السبق في مجال اللغة العربية من قبل غير أبناء العرب إلا دليل على أن هذه اللغة يسرها الله تعالى كما يسر القرآن للذكر ، ولذلك كان على الأمة جميعاً أن تُعنى باللغة العربية ، الأمة جميعا مطالبة بأن تكون على فهم بمعجزة القرآن الكريم. ولا ريب أن الإدراك والفهم لإعجاز القرآن من حيث البيان إنما يتوقف على فهم هذه اللغة ، مَن لم يدرك اللغة العربية أنى له أن يفهم معجزة القرآن. لا ريب أن للقرآن الكريم حلاوة وعذوبة حتى أن الذين لا يفهمون العربية قد يدركون بوجدانهم هذه العذوبة ولكنهم لا يستطيعون أن يصلوا إلى تفاصيل هذا الأمر واستكشاف أسراره حتى يتبين لهم كيف أن هذا القرآن قاد العرب من ألسنتهم ، حولهم من وضع إلى وضع لأن العرب كانوا في ذلك الوقت مع ضلال ألبابهم وعمى بصائرهم وصلوا ف البلاغة إلى شأوٍ رفيع بحيث كانت لغتهم أرقى لغات العالم جميعا وكان أسلوبهم أقوى الأساليب ولكن مع هذا كله بهرهم القرآن ببيانه ، هم كانوا يسلسون قيادهم لألسنتهم فاقتادهم القرآن من هذا اللسان الذي كان يمتلك ألبابهم ، جاءهم بهذا البيان المعجز وحير ألبابهم. ولا ريب أن دراسة ذلك تتوقف على معرفة اللغة العربية بفنونها جميعاً ، ولا يمكن أن يقتحم أسوار هذا الأمر دعي ويتحدث فيه بجهل لا بد من أن يكون الذي يتحدث في هذا الجانب ملماً بفنون اللغة العربية من نحو وتصريف وبلاغة حتى يفهم الإنسان كيف جاء هذا القرآن الكريم بهذا الأسلوب الذي حير الألباب. لا ريب أن القرآن الكريم هو في حقيقته معجز ، اللغة العربية كما قلنا لغة واسعة الأساليب تفنن الناس فيها وجاءوا في أدبهم الشعري والنثري بالعجب العجاب ولكن القرآن الكريم لا يمكن أن يجارى من أي أحدٍ كان من الناس ، والقرآن الكريم جاءت كلماته مترتبة متناسقة كل واحدة منها تأخذ بحُجزة أختها ، فكل كلمة من الكلمات حلت محلها ، وليس هذا الإعجاز من حيث مفردات الكلمات فحسب بل حتى من حيث تصفيف الحروف جاء متناسقاً مع الوجوه التي يتحدث عنها القرآن الكريم عندما يتحدث عن جانب فيه شيء من الشدة فإن الحروف التي تأتي في ذلكم الخطاب تكون حروفا شديدة غالبا كما تجدون ذلك في نحو قول الله تعالى فيما يحكيه عن إخوة يوسف عليه السلام ((تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ )) هذه حروف شديدة كيف تناسقت هذه الحروف وجاءت كل واحد منها آخذاً بحجزة الآخر ، كيف جاء هذا الانسجام ما بين هذه الحروف حتى قالوا بأن أحداً لو عني بهذا الأمر في كلامه وحاول أن يحاكي القرآن في ذلك لفاتته المعاني بحيث لا يمكن أن تستجيب له المعاني إن استجابت له الحروف واستطاع أن ينسق بينها ، لا يمكن لأحد أن يأتي بمثل هذا الأمر. كذلك عندما تكون هنالك رقة كيف تكون أيضاً الحروف منسجمة مع هذه الرقة ، وهكذا جاءت مراعاة هذه الجوانب كلها في القرآن الكريم ، فإذن دراسة ذلك إنما تتوقف على فهم هذا اللسان العربي على أن يكون هذا الفهم فهماً أصيلاً لا أن يكون هذا الفهم فهماً هامشياً كما هو الواقع الآن ، كثير من الناس درسوا العربية من غير كتبها الأصيلة فلذلك جاءوا بمعوج الألفاظ ومنحرف العبارات ، كم من عبارة الآن تتردد على الألسن يظنها الناس صواباً وهي عين الخطأ ، والصواب عندهم يتصورونه خطأ ، لأن الناس بعدوا عن مصادر هذه اللغة التي يجب عليهم أن يحرصوا عليها ، هم أنفسهم لا يتدبرون القرآن ، يقرأون القرآن ولا يتدبرونه ، ولو كانوا يتدبرونه لما وقعوا في هذه الأخطاء التي يقعون فيها ، كم نسمع من الناس الآن يعبر عن (القَبول) بـــ (قُبول) وهم يقرأون قول الله تعالى : ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ )) !! ولكنه يتصاممون ويتعامون عن كلمة (قَبول) ويقولون (قُبول) مع أنه من المعروف أن (القَبول) هو المصدر الوحيد الذي جاء على (فَعُول) وأُلحق به (الوَزُوع) و(الوَلُوع) على أنهما أسماء مصدرين وليسا بمصدرين ، ولكن الناس أودعوا بالمخالفة ، فهم دائماً يكررون كلمة (قُبول) ، وهذا دليلٌ على أنهم لا يقرأون القرآن بوعي وفهم وتدبر ، كذلك ربما عدل حتى العلماء عن ما هو فصيح حسب الأسلوب القرآني إلى ما هو غير فصيح في كثيرٍ من الكلمات ، وهذا مما يؤدي بالناس إلى أن تلتبس عليهم معاني القرآن الكريم ، فقد سألني سائل لماذا قال الله تعالى في الذين كفروا حجتهم داحضة ولم يقل مدحوضة؟ هو يتصور أن داحضة بمعنى غالبة ولا يتصور بأن داحضة بمعنى أنها حجة مفلسة ليس لها أي تأثير وليست لها مصداقية ، هذا لأنه شاع على الألسن الآن دحضه يدحضه وشاع إطلاق (دحض) على أنه متعدي مع أن الفصيح (دحض) هو لازم ، والمتعدي أدحض يُدحِض إِدحاضاً كما في قول الله سبحانه وتعالى : ((وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ)) ، لم يقل (ليَدحَضوا به الحق) ، فالتباس المعاني هنا حتى أنهم ظنوا بأن كلمة داحضة إنما هي بمعنى غالبة بسبب عدم فهم العربية الفهم الصحيح. وكذلك نجد من الكلمات التي شاعت الآن شيوعاً عجيباً حتى أنه لو حاول أحد أن يتحدث بحسب لغة القرآن الكريم لتسارع الناس إلى نقده وإلى تخطئته ، هي كلمة (رَجَع) ، لا يفهمون أن كلمة (رَجَع) يكون لازماً ومتعدياً بحيث إن كان لازماً فإنه يأتي مصدره على (رُجُوع) ، وإن كان متعدياً يأتي مصدره على (رَجْع) ، الناس لغة الرجع ، وإنما يفهمون لغة (إِرجاع) ، أرجَعَه يُرجِعُهُ إِرجاعا، وهم يقرأون القرآن ولا يتدبرونه ، فإن الله تعالى يقول : ((فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ)) ، ولم يقل ((فإن أرجَعَك إلى طائفة منهم)) ، ((قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ )) ، ولم يقل قال رب أَرجِعوني ، وقال : ((ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ)) ولم يقل (فأرجع البصر كرتين) ، وقال الله سبحانه وتعالى : ((إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ)) ولم يقل (إنه على إرجاعه لقادر) ، فكله في القرآن الكريم يأتي على وزن فَعَل ولم يأتي على وزن أفْعَلَ في مادة (رَجَعَ) ، أي مكان ما جاء في القرآن قط على وزن (أفْعَل يُفعِل) ، هذه اللغة رواها أبو زيد عن هُديل وهي على أي حال ليست هي اللغة الفصيحة. والناس بسبب البعد عن تدبر القرآن الكريم وقعوا في هذه المتاهات فضلاً عن الكثير من الكلمات التي شاع فيها الخطأ الآن شيوعاً عظيماً وأصبحت لغة الخطأ هي اللغة المعتبرة المعول عليها ، كم من كلمة تلوكها الألسن وهي خطأ وما كان ينبغي للناس أن يقعوا في الخطأ ويؤدي ذلك إلى غموض كثيرِ من الحقائق ويؤدي أيضاً إلى انعتاق كثيرِ من العقيسة عندما تستعمل ، لذلك كان من الواجب الأمة اليوم أن تُعنى بهذه اللغة دراسةً وتدريساً بالرجوع إلى مصادرها ، لا بد من أن ترجع الأمة إلى المصادر الأصيلة لهذه اللغة ، فمن حيث اللغة الرجوع إلى كتب اللغة الأصيلة ككتاب العين للخليل بن أحمد وكتاب التهذيب للأزهري وكتاب الصحاح للجوهري والقاموس وشرحه ولسان العرب وكذلك كتاب الجمهرة لابن دريد وأمثال هذه الكتب ، هذه الكتب هي التي ترسخ الملكة العربية بحكم ممارستها ، ومن بين هذه الكتب التي تعنى باللغة العربية وتعنى أيضاً ببلاغتها كتاب أساس البلاغة للزمخشري مع اختصاره هو كتاب مهم جداً ، فينبغي لمن أراد أن يعرف العربية حقاً أن يرجع إلى هذه الكتب وأن يقرأها بإمعان وتبصر حتى لا يقع في الأخطاء وأن يقارن أيضاً بين مقولة تُقال ومقولة أخرى ، أن يحرص على المقارنة وأن ينظر في الشواهد ، كما من أشياء شائعة والشواهد تدل على خلافها. كذلك بالنسبة إلى الإعراب فإنه من المهم أن يكون الرجوع إلى الكتب الأصيلة ككتاب سيبويه وكتب ابن هشام ولا سيما (مغني اللبيب) ذلكم الكتاب الذي قال عنه ابن هشام في مقدمته : ( فدونك كتاباً تُشد الرحال فيما دونه وتقف عنده فحول الرجال ولا يعدونه إذ كان بهذا الحال لم ينسج ناسجٌ على منواله ولم يسمح قريحةٌ بأمثاله) ، وكذلك كتب ابن مالك وغيرها من كتب العربية الأصيلة. وبالنسبة إلى إعراب القرآن الرجوع إلى كتب التفسير المعنية بهذا الجانب ، المعنية ببيان وجوه إعراب القرآن الكريم ككتاب الفرّاع وكتاب الزجّاد وكتاب أبي حيان وكذلك كتاب النحّاس في إعراب القرآن الكريم ، وبالنسبة إلى البلاغة الرجوع إلى كتب البلاغة الأصيلة ، وكذلك بالنسبة إلى كتب النقد ككتب الجُرجاني فإنها فاقت كتب البلاغة وإن كانت بعيدة عن تعقيدات المصطلحات ، هي لم تُعنى بالمصطلحات وإنما عُنيت بترسيخ المَلَكَة حتى يتبين للإنسان أن البلاغة إنما هي من علم النفس ، البلاغة لها علاقة قوية بعلم النفس ، فالإنسان ينظر كيف يؤثر خطابه ويمكنه أن يتغلغل في أعماق النفوس ، ولربما حول خطابٌ الناس من وضع إلى وضع ومن تصور إلى تصور ومن اتجاه إلى اتجاه آخر ، فتأثيره على النفوس لأنه يتغلغل عمق الخطاب في هذه النفوس ، فلا بد من الرجوع إلى هذه الكتب ، وكذلك في كتب النقد ككتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري ، وبالنسبة إلى كتب الأدب كتاب الأماني أبي علي القالي فإنه كتابٌ عميق في الأدب وفي عرضه لما يعرضه من مفردات الأدب. فهذه الكتب هي التي يجب أن يكون الارتكاز عليها وأن تكون مسهلة للناس دانيةً قطوفها لهم ولا مانع من تأليف مؤلفات جديدة بالأسلوب الجديد على أن تستمد من هذه الكتب جميعاً وأن تكون مرجعاً لها وأن يعود الناس إلى الأصالة في العربية والنطق بها بحيث يتجنبون الشاذ ويتجنبون الخطأ ، كم من خطأ الآن يشيع على الألسن حتى يكاد الإنسان أن يذكرها ، كان في فترة من الفترات كما هو شائع عندنا أن يُجمع المدير على مُدراء ، وعندما ذكرت لبعض الناس كيف يُجمع مدير على مدراء؟ قال مثلما يُجمع الوزير على وزراء ، قلت له الفارق بينهما أكبر من الفارق بين منصبيهما ، فإن الوزير على وزن فَعِيل ، والمدير على وزن مُفعِل ، كيف يجمع مدير على مدراء؟ وهذه شاعت الآن شيوعاً غريباً ، مدراء العموم ومثل هذه الكلمات أصبحت الآن شائعة ، هل يُجمع مُبين على مُبَناء ومُعين على مُعَناء؟ ما وجه هذا الجمع مدير على مدراء؟!!! هذه الكلمات أصبحت الآن شائعة على الألسن. كذلك نجد مما شاع (مدير عام كذا) ، أو (أمين عام كذا) ، يُفصَل بين المضاف والمضاف إليه بأجنبي من غير أن يكون ذلك فيما يقتضيه الجواز ، هذا مما شاع على الألسن ، كم من أخطاء شائعة ، كلمة (إعاقة) حدث عنها ولا حرج ، أعاق يعيق إعاقة ، هذه من أكبر الأخطاء ، كيف لا يقولون عَاقَ يعوق إعاقة ؟ من أين جاءوا بكلمة إعاقة؟ أعال يعيل إعالة أيضاً كيف لا يقولون عال يعول؟!! هذه من أم الأخطاء التي أصبحت الآن شائعة على الألسن ، كلمة (ذوي الإعاقة) وغيرها من الكلمات التي أصبحت شائعة ، هم لا يفكرون في أن عاق يعوق عوقاً ، وإذا كانت هنالك مبالغة يقال عَوَّقَ يُعوِّقُ تعوِيقاً ، كما يقول كُثيِّر: إذا ما أراد الحرب لم تثني عزمه ..حَصَانٌ عليها نظم درِ يزينها نهته فلما لم تر النهي عاقَه .......بكت فبكى مما شجاها فطينُها لم يقل (لم تر النهي أعاقه) ، وإنما قال (لم تر النهي عاقه). كلمة (أثرى) حدث عنها ولا حرج يستعملونها من المتعديات (أثرى المكتبة الإسلامية بالمؤلفات) ، أو (أثرى الأمة بعطائه) يستعملونها بمعنى أغنى ، وهم لا يعلمون بأن الهمزة هنا هي للصيرورة أي صار ثرياً ، (أثرى) لازم وليس بمتعدٍ ، كـ( أيسَر) بمعنى صار ذا يُسر ، و(أعسَر) بمعنى صار ذا عُسر ، ولا يمكن أن يُقال (أثرى) بمعنى أغنى ، نعم استعمل كلمة أغنى أما كلمة أثرى فهي بمعنى صار ذا ثراء ، كلمة (أفعَل) تستعمل في غير موضعها ، فمما سمعته جديداً الآن (أبهَرَ) (يُبهِر) ، و(أتى بخطاب مبهِر) ، من أين بخطاب مبهر؟ لماذا لا يقولون باهِر؟!! كلمة مبهر هذه شاعت الآن على الألسن. كل يوم يأتي بجديد من الأخطاء التي تشيع الألسن في استعمالها فضلاً عن التركيب ، أما التركيب حدث ولا حرج ، نجد أنهم يكررون أداة الشرط مع الشرط ومع الجزاء (كلما كان كذا كلما كان كذا) ، لماذا كلمة (كلما) تتكررمرتين ؟!! ما وجهة التكرر؟! هي رابطة تربط بين الشرط والجزاء ولا يتكرر الشرط مع الجزاء ، فإذن لماذا لا تقولون (إن جاءني فلاني إن أكرمتُه) ؟!! كذلك إذا كنتم لا بد من أن تكرروا شرط كرروا إذن في أول الشرط وفي أول الجزاء ، وهؤلاء يقرأون القرآن ولا يتدبرون عبارات القرآن مع أن القرآن تشريعٌ في التعبير كما أنه تشريع في التعبد ، وكم من آية نقرأها في كتاب الله تبارك وتعالى ((كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ )) ، ما قال (كلما أوقدوا ناراً للحرب كلما أطفأها الله ) ، ((كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيه)) ، ما قال (كلما أضاء لهم كلما مشوا فيه) ، ((كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا )) ، ما قال (كلما دخلت أمة كلما لعنت أختها). هذا مما شاع وعُرِف ، من تدبر القرآن وجد هذه الآيات تأتيه الشواهد الكثيرة التي تدل على أن أداة الشرط لا تتكرر مع الشرط ومع الجزاء ، فهذا مما هو شائع في القرآن الكريم ولكن عدم تدبر القرآن ((كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ )) ، هذا متكرر ، لماذا لا يُتَدَبَّر القرآن؟ لماذا لا نستمسك بأسلوب القرآن الكريم في العبارة فضلاً عن الشواهد العربية ، نحن نقرأ القرآن صباحاً ومساءً ولكن مع ذلك لا نتدبر القرآن الكريم ، كما قلنا كم من شخص يقول (قُبول) ويكرر هذه الكلمة مع أنه يقرأ القرآن ((فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ)) ، أنا لا أقول بأنه لا توجد لغة ولكن اللغة ضعيفة جداً ، ولماذا نعدل عن لغة القرآن وقد قالوا فيما ذكرت بأن القَبول هو المصدر الوحيد الذي جاء على وزن (فَعُول) ، ولربما عكسوا فهم يستعملون (الفَعُول) في موضع (الفُعُول) ، ككلمة (خُلُوف) يستعملونها (خَلُوف) بفتح الخاء مع أنّ (خَلوف) خطأ وهذا مما نبه عليه حتى شُرّاح الحديث ، قالوا بأن (الخَلوف) خطأ لأن الخَلوف مصدر ، مصدر خَلَف يخلُف خُلُوفاً ، والقياس في الفعل اللازم الذي يكون على وزن (فَعَل) كــ (قَعَد قُعُوداً) و(دَخَل دُخًُولاً) و(خَرَج خُرُوجاً) وهلم جرا ، هذا (فُعُول) ، ولكنهم يعكسون ، موضوع (الفَعُول) قالوا (فُعُول) وموضع (الفُعُول) قالوا (فَعُول) ، وهكذا تتكرر الأخطاء. وهذه تترسخ في أذهان الناشئة جيلاً بعد جيل ، كلما جاء جيل كان أكثر خطأً وأبعد عن الصواب ، فمعنى هذا أنه كلما جاء جيل كان أبعد عن هداية القرآن الكريم ، كان أبعد عن فهم القرآن الكريم الكتاب المنزل بالهداية والإعجاز وكان أبعد ما يكون عن فهم إعجاز القرآن الكريم ، فلذلك تحتاج هذه الأمة إلى دورة جديدة في اللغة العربية بحيث تُدرب من جديد على النطق بلسان عربي وعلى فهم هذا اللسان العربي وعلى تصريف هذا اللسان العربي ، الأمة بحاجة إلى هذا حتى تخرج من هذا الجهل وترتفع من هذا الحضيض. هذا ومما يُعجب أيضاً منه أن العرب صاروا أزهد الناس في هذه اللغة العربية ، هم يحاولون أن يُميتوها من كل جانب ، ولذلك كانت هناك حتى من فترة سابقة كانت دعوات من قِبَل المبهورين بالغرب والمتأثرين بهم أو بالأحرى المُستغرِبين أي الذين انتقلوا إلى ثقافة الغرب وتشبعوا بهذه الثقافة وبهرتهم وملكت ألبابهم ، كانت هناك دعوات من هؤلاء بأن تُكتب العربية بالأحرف اللاتينية وتُترك الأحرف العربية ، مع أن كثيراً من الحروف العربية لا يوجد لها نظير في اللغات اللاتينية ، ولا يمكن أن تُكتب بالكتابة اللاتينية المعروفة ، وعندما سأل أحد العلماء كان وقف بأحد هؤلاء وعارضه معارضة شديدة فيما كان يدعو إليه من كتابة العربية بالأحرف اللاتينية قال له: ما الذي يدعو إلى هذا الأمر؟ ما الذي يدعوك إلى أن تحرص على أن تُكتب العربية بدلاً من أن تُكتب بحروفها المعهودة أن تُكتب بالحروف اللاتينية؟! قال: أريد أن أعممها ، قال له: لست تريد أن تعممها ولكنك تريد أن تُبرنِطها ، أي تريد أن تُلبسها البرنيطة بدلاً من لبس العمامة بحيث تكون تابعة للغرب. وكذلك بالنسبة إلى لغة العلم الآن لا يوجد بلد عربي يُدرِّس المواد العلمية باللغة العربية ما عدا سوريا ، بينما الأمم الأخرى تعتز بأن تستعمل لغاتها في دراسة العلوم ، حتى اللغات الميتة .. اللغة العبرية التي كانت ميتة ومتهالكة بعثوها من أجداثها ونفخوا فيها الحياة وأخذوا يدرِّسون بها العلوم بينما العرب وحدهم هم عالةٌ على الآخرين لا يحرصون أبداً على أن يدرِّسوا العلوم بهذه اللغة كما قلت ما عدا سوريا البلد العربي الوحيد الذي يُدرِّس العلوم باللغة العربية. قد حدثني أحد من الناس بأنه التقى بوفد عندما كان يدرس في إحدى الجامعات في بلد عربي شقيق إلتقى بوفد من كوريا الجنوبية حضر في تلك الجامعة ، فطٌرح على ذلك الوفد سؤال: بماذا تُدرِّسون العلوم؟ قالوا هذا سؤال عجيب ، بماذا ندرس العلوم!! أليست لنا لغة؟ لماذا لا ندرس العلوم بلغتنا؟!! وما وجه طرح هذا السؤال؟!! هم عجبوا من هذا السؤال لأنهم جاءوا بين قوم لا يعتزون بلغتهم ويحسبون أنهم مثلهم لا يعتزون بلغتهم ، فلذلك يحسبونهم عالة على الآخرين في دراسة العلوم ، هذا مع الارتباط الذي يربط ما بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأمريكية التي تتحدث باللغة الإنجليزية ، ولكن مع ذلك كانوا حِراصاً على تدريس العلوم بلغتهم ، وهكذا جميع الأمم التي تعتز بحضاراتها وتعتز بمواريثها التأريخية ومواريثها الفكرية إنما تُدرِّس العلوم بلغاتها ما عدا العرب ، وما عدا الأمة الإسلامية جميعاً كما قلت لأن الأمة الإسلامية جميعاً هي مدينة للعربية وعليها أن تجعل اللغة العربية هي لغة التخاطب فيما بينها ، هي التي تجمع شتاتها إذ ليست هنالك لغة في هذا العالم مرشحة لأن تجمع هذا الشتيت من الأمة الإسلامية التي تنحدر من شعوب مختلفة ومن عناصر متعددة وتلتقي جميعاً في ظلال العبودية لله تعالى تحت عقيدة الإسلام ، ليست هنالك لغة مرشحة لأن تجمع هذا الشتيت إلا هذه اللغة ، اللغة العربية التي خاطبهم الله تعالى بها جميعاً . ومما يُؤسَف له بأنني حضرت في أحد الأقطار الإسلامية وحضرت خطبة جمعة ، فكان الخطيب وهو عربي من أصل عربي كان الخطيب يتحدث بلغة المُستعمِر هناك ، ألقى الخطبة بلغة المستعمر لأجل أن يُفهِّم الناس ، بدلاًَ من أن يدعو الناس إلى أن يعتزوا بالارتباط باللغة العربية وفهم هذه اللغة وأن يخاطبهم بما يصلون به .. باللغة التي يصلون بها .. خاطبهم بلغة المستعمر ، وهذا من الهزيمة النفسية التي أصابت هذه الأمة بحيث صارت تعتز بما ورثها إياه المستعمر بدلاً من أن تعتز بما خاطبها الله تعالى به وبما شرفها برفعها إليه من عقيدة الإسلام ولغة الإسلام لغة هذا الدين الحنيف ، لغة القرآن الذي خاطبهم الله سبحانه وتعالى به ، وحل لهم فيه ألغاز الوجود وعرَّفهم بحقائق أسراره في خلقه ، هم لا يبحثون عن هذه الأسرار من خلال دراستهم لهذه اللغة حتى يصلوا إلى هداية القرآن ويفهموا كيف تحقق إعجازه ، وكيف عجزت مَلَكات العرب على أن تأتي بمثله. هذا مما أصبح الناس في عمى عنه ، أصبحوا بعيدين كل البعد عنه ، فلذلك صارت الأمة بأسرها بحاجة إلى دورة تأريخية تعيدها إلى دينها وتعيدها إلى لغتها التي أضاعتها ، فعلى الجميع أن تتضافر جهودهم على هذا الأمر ، على المؤسسات الرسمية الرسمية وغير الرسمية وعلى المسئولين على اختلاف مسئولياتهم أن يضاعفوا جهودهم من أجل استقلال هذه الأمة في فكرها وفي تصورها وفي لسانها ، كما يجب عليهم أن يحرصوا على استقلالها في جميع مواريثها الفكرية حتى لا تكون عالة على الأمم الأخرى. نحن كم وجدنا في التأريخ الماضي أن غير المسلمين وغير العرب من الأمم التي كانت على غير الإسلام وليست هي من العرب كانت تعتز في العهود السابقة بأن تُطعّم كلامها بالكلام العربي لأن عزة الإسلام الإسلام كانت شامخة في ذلك الوقت ، فكان الشاب عندما يلتقي بزملائه ويريد أن يثبت لهم بأنه على ثقافة ووعي كان يطعم كلامه ببعض الكلام العربي وهذا ما كان في الأندلس عندما كان الإسلام سائداً ، كان أبناء النصارى من القوط هناك يطعمون كلامهم بالكلام العربي ، كما أن الفتيات أيضاً كُن هكذا ، والآن انقلب الأمر بالعكس ، الآن كثير من الكلمات التي تدرج في اللسان بقصد أو بغير قصد بل هي بقصد ، تدرج في اللسان بسبب انبهار الناس باللغة الأخرى باللغات الأجنبية ، وهذه كلمات أصبحت الآن مألوفة ، كلمة (ألو) أصبحت الآن مألوفة ، وكلمة (أوكي) أصبحت مألوفة في الألسن ، كل هذا مما يعود إلى الهزيمة النفسية التي لحقت هذه الأمة ، هذه الأمة إذن عليها أن تتحرر من هذه التبعية العمياء لغيرها وأن تعرف مواطن الضعف والقوة فيها لتتمسك بأسباب القوة وتترفع عن أسباب الضعف. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه ، وأسأله سبحانه أن يعز الإسلام والمسلمين وأن يرفع راية الدين وأن يرفع راية اللسان العربي المبين وأن يبصِّرنا بكتابه الكريم وذكره الحكيم وأن يهدِيَنا صراطه المستقيم وأن يوفقنا لطاعته ويهدينا لمرضاته إنه على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.