تحليل الخطاب والتنــاص

موضوع في 'الأدب العربي و اللغات الأجنبية' مكتوب بواسطة بائعة الورد، ‏6 يناير 2011.

  1. بائعة الورد

    بائعة الورد عضو جديد

    منتسب منذ:
    ‏6 نوفمبر 2010
    المشاركات:
    31
    الإعجاب المتلقى:
    1
    نقاط الجائزة:
    0
    عزت عمر

    نال الباحث والأستاذ الأكاديمي المغربي د.محمد مفتاح مؤخراً جائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس، وهي أهم جائزة عربية تمنح للمبدعين العرب في إطار الأدب ونقده، والدكتور محمّد مفتاح غني عن التعريف كناقد وأكاديمي وأحد أبرز ممثلي اللسانيات في الثقافة العربية، وخصوصاً في مجال نقد وتحليل الشعر والسرد. واحتفاء بهذه المناسبة يسعدنا قراءة كتابه "تحليل الخطاب الشعري – استراتيجية التناص" الذي قدّم من خلاله دراسة نظرية عميقة لعناصر تحليل الخطاب الشعري، بالإضافة إلى تحليل معمّق طبّقه على رائية ابن عبدون الشهيرة من خلال العناصر ذاتها.

    *القسم الأوّل من الكتاب، عنون بِ "عناصر لتحليل الخطاب الشعري" وقد ضم ثمانية فصول، تناول في أولها مفهومي "التشاكل والتباين"، حيث إنه حدد في البداية هذين المفهومين موضحا أن أوّل من نقل مفهوم "التشاكل" من ميدان الفيزياء إلى ميدان اللسانيات هو الفرنسي "كريماس" الذي احتل منذ ذلك الوقت مركزا أساسيا لدى التيار السيميوطيقي البنيوي. وإلى ذلك فإن المفهوم خضع لتطوّرات عدة آن تنقله بين الباحثين والمفكّرين، ليشمل في النهاية التعبير والمضمون كما عند "راستي " الذي حدد التشاكل بأنه "كل تكرار لوحدة لغوية مهما كانت"، وهذا التحديد بتعبير د.مفتاح يضيف عناصر أخرى لما جاء عند كريماس، حيث إن التشاكل لا يحصل إلا من تعدد الوحدات اللغوية المختلفة، ومعنى هذا أنه ينتج عن التباين. فالتشاكل والتباين إذاً لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وأنه هو الذي يحصل به الفهم للنص المقروء، وهو الضامن لانسجام أجزائه وارتباط أقواله، باعتباره يتولد عن تراكم تعبيري مضموني تحتّمه طبيعة اللغة والكلام، وهو في الوقت نفسه يبعد الغموض والإبهام.
    ويؤكد المؤلف أن ما انتهت إليه الجماعة من شروط وتعريف يحتاج إلى مناقشة، وذلك لأنه لا ينطبق إلا على الخطاب العلمي أو على ماشاكله، بينما الخطاب الشعري والأسطوري والإعلاني لا يقبل بهذه الشروط، لأن الشاعر يجمع بين المتناقضين وفي ذلك الجمع غرابةٌ هي سرّ القبول بالشعر والتلذذ به بتعبير البلاغيين العرب.
    *في الفصل الثاني سوف يتناول "الصوت والمعنى" نظراً لأن الدراسة الصوتية صارت تحتل مكانا مرموقا في المقاربات الشعرية، وهو ما دعاه "بالأسلوبية الصوتية" أو "الرمزية الصوتية" ومن ذلك فإنه سوف يتناول : رمزية تشاكل الصوت، ورمزية تشاكل الكلمة، ورمزية اللعب بالكلمة، وعلى حدّ تعبيره، "هذا اللعب اللغوي الذي يقوم بدور كبير في الخطاب الشعري" لأن الخطاب الأدبي قبل كلّ شيء لعب بالكلمات بحسب ميشيل ريفاتر، واللعب بالكلام محكوم بقواعد تنظيمية وتكوينية، وهو اضطراري أو اختياري من قبل المتكلم تأليفاً، أو المتلقي تأويلاً. بمعنى أن هناك قواعد صوتية وتركيبية ودلالية يجب أن تراعى وإلا أخطأ الكلام هدفه، وهي ما يدعى بالقواعد التكوينية.
    ويؤكّد المؤلّف في هذا الصدد، أن الأديب لا يقنع بالعمل ضمن هذه القواعد وإنما يريد أن يضيف إليها قواعد تنظيمية، وهو ما تسميه البلاغة العربية "المحسنات البديعية". ليستنتج أخيرا أن اللعب باللغة هو جوهر العمل الأدبي، والشعر بخاصة. ويضيف إلى ما سبق "الوزن العروضي" حيث كل بحر يتحكم فيه مبدأ التشاكل المقنن والتباين، سواء عن طريق التفعيلة والنبر أو الإيقاع، ولكن العروضيين العرب بتعبيره لم يهتموا إلا بالتفعيلة وبما يطرأ عليها من زحافات وعلل، ولم يبينوا بكيفية واضحة دور الزحافات في التشكيل الإيقاعي والمعنوي ناسين ارتباط الشعر العربي بالغناء والرقص. ويعزو المؤلف سبب هذا الخلل أن العروضيين "استخلصوا قواعدهم من الشعر المكتوب ولذلك جاءت شكلية جامدة، إذ لا نجد فيها أجوبة شافية ولا ما يشبهها عن سبب تعدد البحور الشعرية، وعن العلة في إيثار الشعراء العرب النظم في بحور دون أخرى، مع أن تلك البحور تختلف تشاكلاً وتبايناً وفضاء وزماناً."
    وسوف يستثني المؤلّف من حكمه هذا الناقد المشهور حازم القرطاجني الذي اجتهد في ربط الوزن بالمعنى من خلال تخصيصه بعض البحور ببعض الأغراض وببعض المعاني، ولكن نظرته مع ذلك كانت خطأ، لأنها لم تُبن على أساس استقراء كافٍ لنماذج مختلفة من الشعر العربي، فجاءت استنتاجاته مناقضة للواقع الشعري العربي. ومن هنا فإن العروض العربي على حدّ تعبيره "سكوني ومعياري وجزئي"، وهو إلى ذلك ربّما يشابه العروض في اللغات الأخرى من حيث ما اصطلح عليه ب: النظرية الكمّية والنظرية المقطعية فالنظرية الإيقاعية. وعلى هذا الأساس سيبني وجهة نظره حول مسألة تفاعل الإيقاع مع المعنى في الخطاب الشعري، وربّما تحتاج وجهة النظر هذه إلى مزيد من النقاش برأينا. وفي الخلاصة يؤكد المؤلف ضرورة إعادة النظر في بعض الأحكام اللاعلمية الصادرة في حقّ اللغة العربية، وفتح آفاق رحبة للمزيد من التمحيص والاستقصاء.
    *الفصل الثالث سيتناول فيه "التشاكل والتباين" على مستوى المعجم باعتبار أن المعجم يقوم بدور مهم في التركيب والدلالة وخاصة بالنسبة للمحلل الأدبي والشعري، لأن كل خطاب له معجمه الخاص وحقله الخاص، إذ للشعر الصوفي معجمه، وللمدحي معجمه، وللخمري معجمه، وبالتالي فإن المعجم سيكون وسيلة للتمييز بين أنواع الخطاب، وبين لغات الشعراء والعصور، حيث لكلّ نصّ مفاتيحه ومحاوره التي يدور عليها الديوان أو القصيدة، وذلك عن طريق التعميم والتخصيص من مثل لفظ (الدهر) الذي هو لفظ عام جامع تدخل من ضمنه ألفاظ متعددة مثل الليالي والأيام، أو عن طريق الترابط المقيّد أو الحر (المصاحبات اللغوية) ك (الأثر والعين/ الليل والنهار/ طسم وجديس.. وغير ذلك)، أو عن طريق التعبير بالجزء عن الكل أو مما يسمّى بالمجاز المرسل، ليستنتج أن المعجم هو لحمة أي نصّ كان ويحتل مكاناً مركزياً في كلّ خطاب، وهو إلى ذلك متغيّر ومتطوّر وفقاً لزمان إنتاج النصّ، وتبعاً لمقدرات الشاعر على الخلق والإبداع، خاصة وأن الشعر اعتاد خرق القواعد "مما تواطأ عليه أهل التركيب النحوي من حيث التقديم والتأخير وربط صلات واهية بين الأشياء" بمعنى أن الشعر يخرق القوانين العادية التركيبية والمرجعية، ولكنه في الوقت نفسه يخلق قوانينه الخاصة به فمن جهة يستند إلى قوانين اللغة العامة، ومن جهة أخرى يثور عليها أيضا مما ينبغي مراعاة هذه الثورة عند استكناه النص الشعري بتجاوز ما يوحي به ظاهره إلى خبيئه، ولكن لا نبذ الظاهر نهائيا وإنما يجب الجمع بينهما.
    *في الفصل الرابع والخامس سيتناول المؤلف التشاكل والتباين على مستوى التركيب: التركيب النحوي والتركيب البلاغي وضرورة إعادة صياغة قواعد اللغة العربية.
    ثم فرّق مابين البؤرة النحوية والبؤرة الخطابية، حيث رأى أن الأولى قابلة للتقعيد بينما الثانية مقصدية متعلقة بنوايا المتكلم والمتلقي. ومن التركيب البلاغي سيتوقف المؤلف عند الاستعارة ليستعرض كثيرا من النظريات والآراء للقدماء والمحدثين الغربيين والعرب، وهو مبحث مهم شغل الدارسين مطولا ليستعرض بعد ذلك العديد من النظريات ك "الإبدالية، والتفاعلية، والتركيبية، ورأي البلاغيين العرب كالسكاكي والجرجاني، ومن ثم يقارن بينهما وبين علماء الغرب من مثل (سورل، لاكوف، جونسون، وبالمر) بمزيد من التفصيل والتمثيل ليخلص إلى ما يأتي:
    1 ـ إن إقامة الاستعارة على المشابهة ما زالت تحتل مكاناً مرموقاً في الدراسات الاستعارية الحديثة.
    2-إن التحليل على ضوء مفهوم خرق قواعد الانتهاء ينبّه إلى التعابير المجازية بصفة عامة سواء كانت علاقتها المشابهة أم لم تكن.
    3-إن هناك تداخلا بين الاستعارة والكناية والمجاز المرسل، يتجلى في الانطلاق من عملية استدلالية لفهم الخطاب وفي عملية انتقاء عناصر دون أخرى.
    4-إن مختلف وجهات النظر في الاستعارة لا تتزاحم، ولكنها تتكامل، إذ ليس ثمة نظرية واحدة قادرة على صياغة قوانين لإنتاج الاستعارة وتأويلها، وذلك لأن الاستعارة ليست تعبيراً عما هو كائن وحسب، ولكنها تخلق ما ليس بكائن أيضاً.
    5-إن الخطاب اللغوي يبنى من مادة الألفاظ التي تؤلّف بينها آليات التركيب بنوعيه، يستوعبها جميعاً التناص.
    والتناص بدوره سوف يأخذ حيّزاً مهماً من الكتاب باعتباره اختير كعنوان فرعي من قبل المؤلّف الذي رآه ضرورياً للشاعر كضرورة الهواء والماء بالنسبة للإنسان. ومن هنا فإنه سوف يؤكّد أنه لزاماً على الشاعر أن يبحث عن آليات التناص بدل أن يتجاهل وجودها هرباً إلى الأمام. وبالتالي فإنه سوف يفصّل في أشكاله المختلفة ومنها: التمطيط، الشرح، الاستعارة، التكرار، الشكل الدرامي، وأيقونية الكتابة. ومنها أيضاً الإيجاز، والتذكرة والمحاكاة والمفاضلة، والإضراب والإضافة. وإلى ذلك فالتناص بتعبيره، ظاهرة لغوية معقّدة تستعصي على الضبط والتقنين، إذ يعتمد في تمييزها على ثقافة المتلقّي، ولكن ثمة مؤشّرات تجعل التناص يكشف عن نفسه ويوجّه القارئ للإمساك به، سيما إذا كان مؤسساً على وظيفة محددة كاستخلاص موقف كما في معارضة أحمد شوقي لسينية البحتري، أو كتصفية حساب ودعوة لاستخلاص العبرة كما في رائية ابن عبدون التي قدّم من خلالها قراءة للتاريخ الإسلامي انطلاقاً من وجهة نظر معينة. وهذه القصيدة كما نوّهنا في التقديم ستكون مادة للدرس والتحليل تطبيقاً للجوانب النظرية التي استعرضناها للتوّ، حيث قسّم القصيدة إلى ثلاث بنيات رئيسية هي: بنية التوتر، وبنية الاستسلام، وبنية الرجاء والرهبة، وسيعتبر أن هذه البنى الثلاث تشابه التقسيم الأوربي: الغنائي والملحمي والمأساوي، حيث إن كلّ بنية اتّسمت بخاصيات مميزة، فهي ذاتية غنائية في المطلع، وملحمية في الوسط، ومأساوية في الأخير، وأن ما يجمع خيوط القصيدة كلّها شيئان أساسيان:
    1 ـ الذاتية اللغوية التي يجدها القارئ منبثّة في القصيدة بأكملها رغم قلّتها في القسم الأوسط، وتتجلى في التمني (ليت) وفي الضمير (نا) وفي سائر الألفاظ العاطفية.
    2 ـ النزعة السردية القائمة على الصراع، حيث وجد أن القصيدة تنهض على المواجهة بين الإنسان والدهر، وبين الإنسان والإنسان، وميدان هذا الصراع هو فسحة زمانية تُحقّب إلى ثلاث لحظات: بداية و وسط و نهاية.
    وفي الختام يمكننا القول أن هذا الكتاب لا يتميّز بمادته النظرية فحسب، وإنما في ما قدّمه من اجتهاد في دراسته التحليلية التطبيقية المهمّة مستغلاً مفهومي الاشتراك والتشاكل كتقنية جديدة في التحليل تكشف مقاصد الشاعر الظاهرة والمضمرة.
    مرجع مهم للدارسين والمشتغلين في حقل نقد وتحليل الشعر ننصح به.
    *تحليل الخطاب الشعري(استراتيجية التناص)، د. محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، بيروت،ط4/ 2005.
    *بيان الكتب، دبي

مشاركة هذه الصفحة