مدكرة تخرج: بعنوان مواتيق الدولة الجزائرية

موضوع في 'تاريخ الجزائر' مكتوب بواسطة أمة الرحمن الجزائرية، ‏9 فبراير 2010.

  1. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية عضو طاقم فيض مشرف

    منتسب منذ:
    ‏16 مايو 2009
    المشاركات:
    8,939
    الإعجاب المتلقى:
    365
    نقاط الجائزة:
    264



    مقدمة
    إن الحديث عن ثورة التحرير الكبرى لا يكون ذا فائدة تاريخية وعملية إلا بذكر ما تدون في الوثائق الأساسية،كبيان أول نوفمبر ميثاق الصومام، ميثاق طرابلس، حيث لا يمكن معرفة كل جوانب الثورة دون الإطلاع على هذه الوثائق
    وانطلاقا من أهمية هذه الأخيرة، فغن إشكالية الموضوع تدور حول دراسة ومناقشة محتواها ومدى مساهمتها ودعمها للنضال الثوري طوال الفترة الممتدة من 1954 إلى سنة 1962.
    وبناء على ما تقدم نجد أنفسنا أمام الحقائق التالية:
    اعتبار بيان أول نوفمبر اللبنة الأولى لاسترجاع السيادة الوطنية حين حدد مبادئ وأهداف الثورة وأعلن قضية شعوب تكافح ضد احتلال أراضيها وثيقة الصومام ، قيمت السنتين الأولتين من الكفاح الوطني وحددت المهام و الأولويات التي تواجه جيش التحرير الوطني على المستويات الداخلية والجهوية والدولية.
    أما طرابلس فقد جاء في مرحلة الكفاح وكان هدفه المعلن رسميا، إعداد بناء برنامج الدولة المستقلة، ووضع مؤسساتها وعليه قمنا بتقسيم هذا الموضوع إلى ثلاثة فصول، إضافة إلى الفصل التمهيدي
    فقد تطرقنا في هذا الأخير، إلى الأوضاع العامة في الجزائر التي قبيل اندلاع الثورة التحريرية، ومجرياتها التحضير السياسي لتفجيرها.
    إبتداءا من تكوين اللجنة الثورية الوحدة والعمل، ثم اجتماع 22،فتشكيل لجنة الستة، وصولا إلى المرحلة الأخيرة وهي تفجير الثورة وصدور بيان أول نوفمبر.
    وفي الفصل الأول تناولنا بتحليل البيان النوفمبري، من حيث إعداده و تحريره إلى محتواه شكلا ومضمونا، متعرضين إلى المواقف التي جاءت عقب صدوره.
    أما الفصل الثاني، فقد عالجنا فيه ميثاق الصومام 1956مستهلينه بالتحضيرات التي سبقت عقده إلى جلساته، وأهم القرارات التي خرج بها المؤتمرون، مع إبراز ردود الفعل التي جاءت بعد انعقاده.
    ب

    وقد ضمنا الفصل الثالث ، ميثاق طرابلس 1962، من حيث الظروف التي سبقت انعقاده إلى محتوى البرنامج الذي خرج به المؤتمر.
    أما الخاتمة نقد احتوت على النتائج التي جاءت في البحث وعلى استنتاجات جاءت من معالجتنا للموضوع كما أوردنا جملة من الملاحق، تضم صور وخرائط ومقتطفات من المواثيق الثلاث تبرز أهمية كل منها.
    أما محتوى هذا الموضوع فقد استفيناهم مجموعة من المصادر والمراجع والمجلات والجرائد.
    وأهم هذه المصادر، والمراجع المعتمد عليها هي:
    يوسف بن خدة،سعد دحلب، مبروك بلحسين، العربي الزبيري، محمد جغابة، عمار بوحوش...
    أما المقالات والمجلات فقد اعتمدنا على مجلة أول نوفمبر، الذاكرة النائب، المصادر...
    وقد واجهتنا عدة صعوبات منها: أنه رغم وفرة المراجع والمصادر حول هذا الموضوع، إلا أننا لم نعثر على بعضها،لأنها مفقودة في المكتبات، كما لاقينا صعوبة في تناقض آراء الكتاب.
    الفصل التمهيدي الوضع العام في الجزائر قبيل الفاتح من نوفمبر 1954
    منذ أن احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830 أسست معاولها الاستعمارية منها، تشويه الشخصية الجزائرية، و محورها حضاريا و ماديا، فعمد إلى انتزاع الملكية ومصادرة الأراضي و ابتزاز الأموال، وسنَ القوانين لتجريد الجزائريين، من أراضيهم وطردهم إلى الصحاري والجبال، كما سن التشريعات التي تحظر على الجزائريين التجمعات السياسية والنقابية، وإغلاق المدارس و تحويل المساجد إلى ثكنات و كنائس، وملاحقة العلماء والفقهاء، و اعتبار اللغة العربية لغة أجنبية، و قد كان المستعمر يهدف بذلك إلى القضاء على كل ما ينبه، و يحرك الوعي الوطني.
    تلك هي السياسة الفرنسية التي اعتمدت في الجزائر، و كان لها الأثر المباشر في جميع المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، و التي سوف نتعرض لها بشيء من التفصيل.


    1-الأوضاع السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية:
    1-الوضع السياسي:
    تعد أحداث 08 ماي1954 الحد الفاصل، بينما كان يراود بعض الجزائريين في الحركة الوطنية، من أمل في نيل الاستقلال بطرق الكفاح السياسي و الدبلوماسي و بين البعض، الذين أمنوا بأن أسلوب الكفاح المسلح، هو الطريق الوحيد للاستقلال([1]).
    و ابتداءا من 1946 يمكننا أن نعتبر أن المطلب الوطني الجزائري، كان مقبولا من طرف كل الأحزاب، و سيكون في هذا المطلب تعبير أن من جهة نزعة معتدلة، من حيث الأهداف الإصلاحية، ومن حيث الوسائل و يمثلها الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، و الحزب الشيوعي، ومن جهة أخرى نزعة متطرفة و ثورية هي حركة انتصار الحريات الديمقراطية.
    أ- الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري:
    في نظر الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، إن إنشاء جمهورية جزائرية في إطار الاتحاد الفرنسي بصفتها دولة أمر ضروري، ويتمتع سكان الجزائر و فرنسا بالجنسية المزدوجة الفرنسية و الجزائرية، و سيعطى حق التشريع للبرلمان، الذي سينتخب بالتصويت العام، على القائمة فقط و سيكون مجلس جزائري وحيد، ذو سيادة إلا فيما يخص الجيش ، و الشؤون الخارجية، و للحفاظ على العلاقات بين البلدين يقوم وزير مفوض عام لدى الحكومة الجزائرية، لتمثيل فرنسا و يقوم مفوض عام لدى الحكومة الفرنسية بتمثيل الجزائر، وستعتبر اللغتان العربية و الفرنسية لغتين رسميتين([2]).


    ب- الحزب الشيوعي الجزائري:
    اعترف الشيوعيون، بأهمية الحركة الوطنية و بطابعها التقدمي، و اقترحوا تشكيل جبهة ديمقراطية وطنية، مع الحزب الشيوعي الجزائري، و الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، و شعب فرنسا كحليف لها، كان الشيوعيون موافقين على الجمهورية "الجزائرية"، في إطار الإتحاد الفرنسي في انتظار تأسيس جمهورية اشتراكية مستقلة([3]).
    جـ-حركة انتصار الحريات الديمقراطية الجزائرية:
    بعد حل حزب الشعب الجزائري، من طرف السلطات الاستعمارية، تحول سنة 1946 إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية([4])، وقد اتبعت الحركة الخطوط العريضة لبرنامج النجم، وبرنامج حزب الشعب، وكانت تنادي إلى الكفاح السياسي بكل وجوهه و أشكاله و في ظرف ثلاثة سنوات من 1947 إلى 1950، أصبحت حزبا سياسيا قويا، و بجهاز سياسي فعال و كان مصالي الحاج، رئيسا للحزب، وكان لسلطته وزنها الحاسم في قرارات الحزب كلها و كان يقدم لا كرئيس حزب فقط، بل كرئيس وطني([5])، و قد عرفت حركة انتصار الحريات الديمقراطية تطورا أدى إلى ظهور انشقاق داخلي، سنة 1953 بين رئيس الحركة مصالي الحاج، و بين أعضاء اللجنة المركزية للحركة، وهذا ما أدى إلى انقسام الحزب إلى كتلتين المصاليين و المركزيين.
    2- الوضع الاقتصادي:
    منذ بداية الاحتلال الفرنسي للجزائر، تعرض الشعب الجزائري لسياسة تدميرية، فقد صودرت أراضيه الخصبة، و شرد إلى قمم الجبال و كان هذا من بين العوامل الخطيرة، التي أضعفت اقتصاديات الشعب الجزائري و دعمت قوام المستعمر الاقتصادية،


    فقد شكلت الفلاحة الجزائرية في الفترة الممتدة من 1940-1945([6]). القطاع الأكثر أهمية سواء من حيث عدد العاملين فيه، أو من حيث مساهمته في الناتج الإجمالي، فقد قضت فرنسا على معظم المزروعات، التي كانت تنتجها الجزائر قبل الاحتلال، فبعد أن كانت الجزائر تصدر القمح أصبحت تستورده، فاستبدلوا زراعة القمح و أنواع الحبوب بزراعة الكروم المنتجة لعنب الخمور([7])، وتجمع الاحصائيات بالنسبة للعشرية التي سبقت الثورة أن الأراضي الصالحة للفلاحة تبلغ مساحتها 11 مليون هكتار منها08 بيد الجزائريين الذين يمثلون تسعة أعشار السكان و03 ملايين هكتار بيد حوالي25 ألف معمر، لأن الباقي يحتكرون التجارة الخارجية، و الصناعة الهامة، ويشغلون مناصب القيادة على اختلاف أنواعها و في جميع الميادين([8]).
    أما الجانب الصناعي، فبعد الغزو وبالتدرج أهملت الصناعة في الجزائر لتخصص البلاد، شأن جميع بلدان العالم الثالث في تصدير المواد الأولية، إذ ما كادت الثورة تندلع حتى اختفت صناعتنا التقليدية، وصرنا نستورد كل شيء تقريبا، وبالمقابل تضاعفت كميات المعادن المنجمية المستخرجة، فأصبحنا نصدر إلى الموانئ الفرنسية سنة 1954 حوالي 60 ألف طن من الفوسفات، و ثلاثة ملايين و نصف طن،من الحديد، وأربعمائة ألف طن من الفحم، وكان غرض الاستعمار الأساسي هو إبقاء الجزائر مجالا خصبا لإنتاج المواد الخام، لتموين المصانع الفرنسية في بلاده، مما جعل المجتمع الجزائري يعيش في أزمات اقتصادية حادة([9]) وبالمقابل عاش الجزائريون حالة بطالة فادحة في المدن المكتظة بها، مما أدى إلى هجرة مئات الألوف من العمال الجزائريين إلى فرنسا، بحثا عن العمل، و قد بلغ عدده سنة 1954 208000 مهاجر موزعين على المصانع

    الفرنسية([10]) أما التجارة الجزائرية فكانت أسواقها مغلقة في وجه سلع الدول الأجنبية، و جعلتها السلطات الاستعمارية مقصورة على واردات المصانع الفرنسية وحدها، فأصبحت الجزائر سوقا للعمليات الاحتكارية، ومصدرا للمواد الأولية التي تحتاجها مصانعه، وهو ما أدى إلى عجز دائم في الميزان التجاري الجزائري([11]).
    3-الوضع الاجتماعي:
    عانى المجتمع الجزائري كثيرا من تراكم المشاكل الاجتماعية المعقدة و الآفاق والأوبئة، التي جعلت منه مجتمعا مريضا، وكان سكان الأرياف الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من المجتمع الجزائري يقاسمون كل مشاكل الحياة، فقد اكتفوا بالخبز والماء كغذاء يومي لهم، في أغلب الأحيان، و يجب أن نؤكد كثيرا على المشاكل الاجتماعية الناتجة عن التوسع الاستعماري الذي عمل على استغلال وتعبئة يد عاملة رخيصة لصالح الأقلية الأوربية، و تبع الهجرات المتواصلة نحو المدن، مؤكدة ضعف الاقتصاد المعيشي للجماهير عبر كامل مناطق البلاد([12]).
    ورغم تزايد عدد السكان، لم توجه فرنسا أي عناية لهذه الظاهرة، فازداد عدد الأميين وتلاشت عمليات مكافحة الأمراض وازداد شبح الفقر قوة وشراسة، وانعدمت المنشآت الصحية، كما يتجلى كذلك في تدني الأجور للعمال الجزائريين بالمقارنة مع أجور الأوربيين، وفي طبيعة الأعمال التي تسند إليهم([13]).
    4-الوضع الثقافي:
    اعتمدت فرنسا منذ احتلالها لعاصمة البلاد، سياسة التنصير ومحاربة الإسلام في الجزائر كما شنت حربا ضد العلم والتعليم، حتى لا يتسنى للأجيال الصاعدة من أبناء


    الجزائر التعليم ويمكن إجمال السياسة الاستعمارية في هذا المجال خلال فترة1931إلى 1954 في الأمور التالية:
    1-محاربة اللغة والثقافة العربية، شكل عنيف للقضاء على الشخصية الجزائرية.
    2-فرنسة التعليم في جميع مراحله لضمان التبعية المطلقة، وخلق جيل موالي لفرنسا.
    3-اعتبار اللغة العربية لغة أجنبية و جعلها و الدين الإسلامي تحت المراقبة لأنهما الحافز الوحيد لإيقاظ الشعور الوطني.
    4-محاولة تشويه تاريخ الجزائر المبني على العروبة والإسلام بقصد إلقاء ظلال من الشك على انتماء الجزائر العربي الإسلامي.
    هكذا إذن عمد الاستعمار الفرنسي منذ بداية الاحتلال إلى سياسة نشر الجهل والأمية في وسط المجتمع الجزائري، و قد نجح في ذلك إلى حد بعيد وما جاءت سنة 1945 إلا و معظم الشعب الجزائري لا يعرف القراءة و الكتابة([14]).
    2-التحضير السياسي لتفجير الثورة:
    بعد انتفاضة 8 ماي1945، والتي كانت حدا فاصلا للأمل في استرجاع الحرية، بطرق الكفاح السياسي، آمن المناضلون بالقضية الوطنية بأن الاستقلال لا يسترد إلا بالقوة، و هكذا أسس الوطنيون والمناضلون الأكثر وفاءا ووطنية المنظمة السرية داخل حزي انتصار للحريات الديمقراطية، سنة 1947، و بلغ عدد المناضلين تحت لوائها حوالي 1000مناضل، ولكن هذه المنظمة لم تبلغ هدفها الذي هو إعلان الحرب على المحتلين لظروف سياسة الحزب و المنظمات السياسية الأخرى التي كانت تتناحر على المقاعد الانتخابية، وتتفلسف في طرق الحصول على بعض الحقوق للشعب الجزائري، ثم



    حدث انشقاق وسط حزب انتصار الحريات الديمقراطية عام 1953([15])، ولما اشتًد الخلاف وسط مناضلي الحزب وانقسم أعضاءه إلى تيارين، الأول يمثله المركزيين والثاني المصاليين([16]). وقد أسفر هذا الانشقاق الداخلي بين الطرفين على ميلاد تيار ثالث حيادي ثوري، متكون من المناضلين القدماء في المنظمة الخاصة في حزب الشعب، ومن اللجنة المركزية للحزب، حيث اتصل محمد بوضياف بزملائه أمثال مصطفى بن بولعيد، العربي بن مهيدي، رابح بيطاط، و تدارسوا الوضع و اتفقوا على إيقاف التصدع و الانشقاق في الحزب و كذلك إبعاد القاعدة النضالية عن الانقسام الخطير الجاري على مستوى القمة.
    ومن خلال هذا اللقاء انبثقت فكرة إنشاء اللجنة الثورية للوحدة و العمل([17]).
    أ-تكوين اللجنة الثورية للوحدة و العمل:
    أنشأت اللجنة الثورية للوحدة والعمل بتاريخ 23مارس1954 في مدرسة الرشاد، الكائنة حاليا بالقصبة.
    و قد تشكلت في بداية الأمر، من لحول حمين و سيد علي عبد الحميد و هما أعضاء في المكتب السياسي و اللجنة المركزية، ودخلي بشير عضو اللجنة المركزية ومسؤول التنظيم للحزب، ومحمد بوضياف عضو قيادة المنظمة الخاصة، و لما تعذر وقوع الانسجام بين أعضاء اللجنة، انسحب كل من لحول حسين و سيد علي عبد الحميد دخلي بشير، و تشكلت مرة ثانية من محمد بوضياف، مصطفى بن بولعيد، ديدوش مراد،


    العربي بن مهيدي، رابح بيطاط، كريم بلقاسم، محمد خيضر، آيت أحمد، أحمد بن بلة، و قد أسندت رئاستها إلى محمد بوضياف([18]).
    ومن حيث الأهداف التي كانت ترمي إلى تحقيقها كما أوضحها المنشور الصادر عنها في جريدة الوطني التي أسستها اللجنة في نفس التاريخ الذي برزت فيه:
    1-المحافظة على وحدة الحزب من خلال عقد مؤتمر موسع وديمقراطي للحزب وذلك لضمان الالتحام الداخلي و الخروج بقيادة ثورية.
    2-دعوة المناضلين إلى التزام الحياد و عدم الانضمام إلى أي فريق([19]) و قبل أن تنتقل اللجنة إلى مرحلة التحضير والإعداد للثورة، دعت الطرفين المتصارعين إلى التفاهم للدخول موحدين إلى المرحلة الجديدة، و قد وجدت استجابة متفاوتة عند أعضاء اللجنة المركزية، حيث أن هذا الطرف الذين يمثلونه لم يشترك للقيام بثورة مسلحة، إلا بوجود المساندة من الخارج.
    بينما اعتبر طرف المصاليين ذلك خروجا عن الطاعة و تمردا عن القانون حزب و عصيانه([20]). و كانت محاولة أعضاء اللجنة الثورية، في تقريب وجهات النظر بين طرفي الحزب لكي يقوم الحزب بدور المشرف على إعلان الثورة و تنظيمها، وتمويلها ماديا، كما كان مسؤولوا الفروع التابعة للجنة الثورية للوحدة و العمل، يقومون بتوعية الشعب، إذ أصبح الخلاف الموجود بالحزب واضحا أمامه، و بعد أن يئست من كل المحاولات لتوحيد الحزب، شرعت في الإعداد للثورة و التخطيط لها، وقد حلت اللجنة الثورية للوحدة و العمل نفسها في 20 جويلية 1954([21]).
    ب-اجتماع الـ22:

    بعد فشل المساعي التي كان يقوم بها محمد بوضياف ضمن اللجنة الثورية للوحدة و العمل، لتوحيد صفوف حزب الشعب، المنقسم بين المركزيين والمصاليين قرر محمد بوضياف في ربيع1954، أن يتصل بعدد من مناضلي الحزب التابعين للمنظمة الخاصة، الذين كانوا متابعين من طرف السلطات الاستعمارية، وكانوا يتسترون في مختلف أنحاء الوطن، وأعطى لهم موعدا لاجتماع عام بحي Salembier المدنية حاليا بمدينة الجزائر([22])، ففي يوم25 جوان 1954 اجتمع الأعضاء22 الذين قرروا الانتقال إلى العمل المسلح بمنزل إلياس دريش بحي المدنية بالجزائر العاصمة، حيث أكد صاحب المنزل في تصريح له مع جريدة الخبر يوم01 نوفمبر2000 أنهم كانوا يومها 22 عضوا، لا غير و هم حسب إفادته على التوالي: مصطفى بن بولعيد، بلحاج بوشعيب، مرزوفي محمد، عثمان بلوزداد، سليمان ملاح، ديدوش مراد، محمد بوضياف، العربي بن مهيدي، لخضر بن طوبال، عبد الحفيظ بوصوف، رابح بيطاط، عبد القادر لعمودي، سويداني بوجمعة، زبير بوعجاج، مشاطي محمد، عبد السلام حباشي، العيد بوعلي، زيغود يوسف، رمضان عبد المالك، باجي مختار، بن مصطفى بن عودة، إلى جانب المتحدث في الاجتماع([23]).
    و قد ترأس الاجتماع المناضل مصطفى بن بولعيد، بينما قام محمد بوضياف والعربي بن مهيدي و ديدوش مراد بتقديم تقارير مختلفة عما يجري في الساحة السياسة آنذاك([24]) و قد تناول الاجتماع بعض النقاط أهمها:
    1-تاريخ المنظمة السرية من يوم إنشائها إلى حين حلها.
    2-نتائج القمع المسلط على المنظمة السرية و أعضائها.
    3-اهتمامات أعضاء المنظمة السرية بين عامي 1950-1954.
    4-أزمة الحزب و أسباب انقسامه.

    5-موقف اللجنة الثورية للوحدة و العمل.
    6-استعراض الوضع بالشمال الإفريقي(تونس و المغرب).
    و هناك نقطة أثارت نقاشا حادا، وهي نقطة الثورة حان وقتها أم لا؟ و يتحدث محمد بوضياف عن ذلك قائلا:"جلسة المساء خصصت لمناقشة التقرير و التي جرت في جو صريح و أخوي"، ظهر موقفان: الأول مقدم من طرف العناصر الملاحقة من طرف الإدارة الاستعمارية، و يقترح الانتقال حينا إلى العمل كوسيلة وحيدة لتجاوز الوضعية المأساوية،و الموقف الثاني: دون أن يشك في ضرورة العمل يرى بأن وقت تفجير الثورة لم يحن بعد و كان تبادل الحجج بين الموقفين حادا جدا، و أخيرا اتخذوا القرار بعد تدخل سويداني بوجمعة و هو يوبخ المترددين و الدموع في عينيه قائلا: «نعم أو لا، هل نحن ثوريون؟ إذن ماذا ننتظر لتقوم بهذه الثورة، إذا كنا مخلصين صادقين مع أنفسنا» ،و انتهي النقاش، و انتقل الجمع إلى انتخاب شخص تعهد إليه مهمة تشكيل لجنة تتولى الإعداد للثورة و أعدت لذلك وثيقة، و أكثرية المناضلين القدماء لا تشك بأن ميلاد الثورة بدأ من هذا الاجتماع([25]).
    ج- تشكيل لجنة الستة:
    قام أعضاء مجموعة 22، بعد الموافقة على العمل لتفجير الثورة، بانتخاب محمد بوضياف كمسؤول وطني ،حيث كلف بتشكيل أمانة تنفيذية تتولى قيادة الحركة الثورية، وتطبيق قرارات و توصيات اللائحة التي صادق عليها المؤتمرون، و قد تكونت هذه الأمانة من محمد بوضياف رئيسا، و أربعة أعضاء هم: العربي بن مهيدي، مصطفى بن بولعيد، ديدوش مراد، رابح بيطاط و اجتمعت الأمانة المرة الأولى بمنزل عيسى كشيدة بحي القصبة بالجزائر العاصمة، حيث تمت مناقشة قرارات مؤتمر22، وكيفية تطبيقها، ووضع نظام مداخلي للجنة، و التعهد بمواصلة العمل كقيادة جماعية، وذلك حتى لا تتكرر الأخطاء التي أدت إلى انقسام الحزب بسبب النزعة الفردية للمسؤولين، في القمة،

    كما أن إصرار محمد بوضياف على أهمية انضمام منطقة القبائل إلى الثورة، جعل قادة 22 يفكرون في تحرير استبيان و يقدمونه إلى كريم بلقاسم، كي يعرضه على المصاليين والمركزيين على السواء، وكان رد المصاليين هو رفض المبادرة ووصف أصحابها بالديماغوجية و العمل الانقسامي، أما المركزيين فكان جوابهم: " نعم للثورة ولكن ليس في الحين" وعندئذ اقتنع كريم بلقاسم وعمر أوعمران، بصواب رأي الثوريين فتخلا عن موقفهما اتجاه الحزب، و أعلنا عن انضمامهما إلى مجموعة22، وعلى إثر ذلك تم انضمام كريم بلقاسم إلى اللجنة ليصبح العضو السادس فيها، وقد اتخذت هذه اللجنة منذ ذلك الحين اسم لجنة الستة([26])، و التي عرفت في ما بعد بلجنة التسعة ، على إثر اتصال بعض أعضاء الستة بالوفد الخارجي المتواجد في القاهرة (محمد خيضر، بن بلة، آيت أحمد)، و يعرف أعضاء لجنة التسعة التاريخيين بمفجري الثورة، وهي النواة الأساسية لجبهة التحرير الوطني، و في شهر أكتوبر1954، وقع اجتماع في منزل بوقشورة بحيPointe Pexade رايس حميدو حاليا، وقد ضم أعضاء الستة في الداخل([27]).
    وقد تم الاتفاق على:
    1-تقسيم التراب الوطني في المرحلة الأولى إلى خمسة مناطق، وتعيين مسؤولياتها على النحو التالي:
    المنطقة01 الأوراس، بقيادة مصطفى بن بولعيد.
    المنطقة 02 الشمال القسنطيني، بقيادة ديدوش مراد.
    المنطقة 03 القبائل الكبرى، بقيادة كريم بلقاسم.
    المنطقة 04 الجزائر و ضواحيها، بقيادة رابح بيطاط.
    المنطقة 05 قطاع وهران، بقيادة العربي بن مهيدي.
    2-إعطاء اسم جبهة التحرير الوطني للحركة الجديدة.

    3-تحديد يوم بدء العمل المسلح وهو أول نوفمبر1954، مع الإبقاء على سرية موعده([28]).
    4-كلف محمد بوضياف بتبليغ هذه القرارات للأعضاء الثلاث الموجودين في القاهرة بعد مطاردتهم من الجزائر، من طرف السلطات الاستعمارية، بسبب نشاطهم الثوري وهم أحمد بن بلة، محمد خيضر، حسين آيت أحمد.
    5-إصدار بيان، موجه للرأي العام الجزائري، والعالمي بخبر اندلاع الثورة وبتحديد هدفها، ويميلا لحركة تسمى جبهة التحرير الوطني، وهو نداء الفاتح نوفمبر([29])
    د- تفجير الثورة و صدور بيان أول نوفمبر1954:
    افترق القادة الستة في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 1954، والتحق كل واحد من الزعماء الخمسة بالمنطقة التي يرأسها لغرض تفجير الثورة في ليلة الأحد، أي اليوم الأول من شهر نوفمبر 1954، أما رئيس اللجنة الثورية لجبهة التحرير الوطني، السيد محمد بوضياف فقد سافر إلى سويسرا ثم إلى القاهرة، كي يذيع بيان أول نوفمبر1954([30]).
    وفي ليلة فاتح نوفمبر1954، على الساعة الصفر، كما وقع الاتفاق عليه قام المناضلون بتنسيق محكم بعمليات مختلفة، من تنفيذ الإعدام في بعض الخونة، و نصب الكمائن لقوات العدو، من شرطة، درك، جيش، وهجمات على ثكنات العدو وبعض مصالحه الإدارية والتقنية، وعلى مزارع المعمرين، و قد بلغت هذه العمليات كلها حوالي100 عملية في أكثر من ثلاثين موقعا في المناطق الخمسة.
    و الكثير منها وقع في الأوراس و في القبائل و في شمال قسنطينة، و أما في المنطقة الرابعة فقد وقعت هجمات محدودة، في مدينة الجزائر و في سهل متيجة، وفي



    المنطقة الخامسة، تركزت العمليات حول مدينة مستغانم، وقرب الحدود المغربية وبالتالي فإن النصف من التراب الوني قد وقعت فيه العمليات([31]).
    و اقترانا بهذه العمليات اهتم مفجروا الثورة بكتابة بيان أول نوفمبر اهتماما خاصا، و اعتبروه مرآة للحركة ، ومعبرا عنها، و لذلك ضمنوه ما كانوا يفكرون فيه، و ما كانوا ينوون القيام به([32]).


    ([1]) زغيدي محمد لحسن،"مؤتمر الصومام وتطور ثورة التحرير الوطني الجزائري1956-1962"، دار هومة، الجزائر، سنة 1983، ص11.​

    ([2]) الجيلالي صاوي، محفوظ قداش، ترجمة ع/ق بن حراث،"الجزائر في التاريخ (المقاومة السياسية بين 1900-1954)"، المؤسسة الوطنية للكتاب ،الجزائر سنة 1987،ص87.

    ([3]) صاوي، قداش، المرجع السابق،ص88.

    ([4]) زهير إحدادن، المختصر في تاريخ الثورة الجزائرية 1954-1962،مؤسسة إحدادن للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، سنة 2007، ص05.​

    ([5]) صاوي قداش، نفسه،ص88.​

    ([6]) زغيدي، المرجع السابق،ص23.​

    ([7] ) عمار عموره، "الجزائر بوابة التاريخ (ما قبل التاريخ إلى1962)"،دار المعرفة ، الجزائر،سنة2006،ص382.​

    ([8]) محمد العربي الزبيري، "الثورة الجزائرية في عامها الأول" ،المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، سنة 1984، ص42.​

    ([9] ) الزبيري، المرجع السابق،ص43.​

    [10] زغيدي، المرجع السابق، ص37. ​

    [11] عمورة، المرجع السابق، ص383.​

    [12] ج صاوي، قداش م، المرجع السابق، ص266.​

    [13] ازغيدي، نفسه،ص31.​

    ([14]) زغيدي، المرجع السابق،ص31.​

    ([15] ) جودي الأخضر، بوالطمين، "لمحات من ثورة الجزائر"، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، ط1 ، سنة1987، ص13.​

    ([16]) بوالطمين، نفسه، ص14.​

    ([17]) كهينة نايت عبد الله،"التحضير لأول نوفمبر،1954" ، مجلة الراصد، المركز الوطني للدراسات و البحث و الحركة الوطنية، و ثورة 1نوفمبر1954، عدد تجريبي،سنة 2001،ص10.​
    (3) لحسن بومالي، التحضيرات المادية و البشرية لاندلاع الثورة المسلحة، مجلة الذاكرة، المتحف الوطني للمجاهد، العدد 03، سنة 1995، ص99.



    ([19])عمار بوحوش،"التاريخ السياسي للجزائر من البداية إلى غاية 1962"، دار الغرب الإسلامي، لبنان، ط1، سنة 1997، ص358.​

    ([20]) بومالي، المرجع السابق، نفسه،103.​

    ([21]) زغيدي، المرجع السابق، ص103.​

    ([22]) زهير احدادن، المختصر في تاريخ الثورة الجزائرية 1954-1962، مؤسسة إحدادن، الجزائر،ط1، سنة 2007، ص09.​

    ([23]) ن. ص، جريدة الخبر، سنة2000، ص18.​

    ([24]) نايت عبد الله، المرجع السابق، ص10.​

    ([25]) محمد الطيب العلوي،" جبهة التحرير و بيان أول نوفمبر"، مجلة أول نوفمبر، عدد 53، سنة 1981،ص31.​

    [26] كهينة نايت عبد الله، المرجع السابق،ص10.​

    [27] إحدادن، المرجع السابق،ص11.​

    [28] زينب نميري، جريدة اليوم، سنة1999،ص04.​

    [29] إحدادن، المرجع السابق،ص12.​

    [30] نايت عبد الله، المرجع السابق،ص11.​

    [31] إحدادن، المرجع السابق، ص12.​

    [32] العلوي، المرجع السابق، ص33.​
  2. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية عضو طاقم فيض مشرف

    منتسب منذ:
    ‏16 مايو 2009
    المشاركات:
    8,939
    الإعجاب المتلقى:
    365
    نقاط الجائزة:
    264
    الفصل الثاني : ميثاق الصومام
    - التحضيرات الأولية لعقد مؤتمر الصومام:
    يندرج مؤتمر الصومام في إطار القرارات الأولى التي سطرتها المجموعة التي أشعلت فتيل الثورة1954م، وكان المنتظر أن ينعقد أول مؤتمر لجبهة التحرير الوطني في سنة 1955م، من أجل تقييم المسار و تقدير الصعوبات وحصر الإمكانيات، وإعادة ترتيب الأوضاع لكن هذا القرار لم يطبق في الوقت المحدد له وذلك يعود إلى استشهاد بعض القادة مثل: ديدوش مراد، و اعتقال البعض الآخر كرابح بيطاط ومصطفى بن بولعيد، إلى جانب الصعوبات التي لم تكن متوقعة كشراء الأسلحة وإدخالها إلى الجزائر، كل هذا أجل عقد المؤتمر([1]).​
    وبعد هجومات 20 أوت1955م وما حققته من نتائج إيجابية دفع المسؤولين لمحاولة التعرف على حقيقة الوضع بعد ذلك خاصة في المنطقة الثانية، و استمرت اتصالات مع المناطق الأخرى، وفي نوفمبر1955م شهدت المنطقة زيارة عمارة رشيد كمبعوث من المنطقة الرابعة (الجزائر) وذلك للاطلاع عن قرب على تنظيم المنطقة، ورفع معنويات الجنود والمناضلين، كما حضر عدة لقاءات بين المسؤولين على المستوى المحلي، ونوقشت خلالها عدة لقاءات بين المسؤولين في المنطقة الثانية تنسيق العمل الثوري على مستوى القطر، وتوضيح الرؤى المستقبلية، وأبدت المنطقة استعدادها لعقد المؤتمر فوق ترابها([2])، بعد ذلك عاد عمارة إلى العاصمة حاملا معه رسالة من قيادة المنطقة الثانية سلمها إلى عبان رمضان الذي نقلها إلى أوعمران، وقد أعجب هذا الأخير بالفكرة وبعدها تم إرسال سعد دحلب إلى المنطقة الثانية الذي وصل إلى قسنطينة وهناك التقى بزيغود يوسف رفقة عبد الله بن طوبال، علي كافي وباقي الأعضاء الآخرين، ودامت إقامة دحلب في المنطقة حوالي ثلاثة أسابيع، اطلع خلالها على التنظيم و الانضباط الذي تتميز به ​
    المنطقة، وبعد عودته إلى العاصمة وصلت رسالة الموافقة على الاقتراح المقدم حول عقد المؤتمر في المنطقة الثانية([3]).​
    وتمثلت التحضيرات في إعداد مشروع وثيقة تعرض على المشاركين للمناقشة والإثراء ثم المصادقة عليها لتكون ميثاق عمل الثورة و المجاهدين في المرحلة الجديدة وقد تكونت لجنة، لهذا الغرض من بين أعضائها البارزين، المحامي عبد الرزاق شنتوف§ وعمار أوزقان، محمد لبجاوي§ ذلك([4]) في محاولة للاستجابة للمسائل السياسية الإيديولوجية المطروحة بالفعل على الجبهة، أفضت أعمالها إلى صياغة مشروع "برنامج الصومام"([5]).​
    يعد مؤتمر الصومام الحدث الأكبر أهمية في تاريخ جبهة التحرير الوطني الذي جمع قادة الداخل في 20 أوت1956، ففي هذا المؤتمر استطاع جيش التحرير الوطني أن يخرج مستفيدا من دروس عشرين شهرا مضت من الحرب و استطاع المؤتمر أن يحدد الأهداف السياسية للثورة، والمبادئ الأساسية التي سارت عليها حرب التحرير، إلى أن استطاعت تحقيق الغاية التي قامت لأجلها و المتمثلة في الاستقلال الوطني.​
    وقبل الحديث عن مؤتمر الصومام لابد من الكلام عن الظروف و العوامل التي أدت إلى عقده، حيث أن الثورة الجزائرية استطاعت أن تحقق عدة انتصارات من يوم اندلاعها في أول نوفمبر1954، إلى تاريخ انعقاد المؤتمر، وقد مرت بمراحل صعبة خلال هذه الفترة، لاسيما في بدايتها([6]).​

    2- ظروف انعقاده:
    أ-داخليا:
    لقد كانت لأحداث 20أوت1955، أثرا كبيرا على مسار الثورة، ففي هذا اليوم وعلى الساعة12:00 بالضبط عند منتصف النهار، نظم جيش التحرر الوطني، هجومات عسكرية على أربعين مدينة من مدن الشمال القسنطيني منها سكيكدة، عين عبيد، قسنطينة، وادي الزناتي، القل، الميلية، الخروب وأشعلوا النيران في محلات المعمرين ومكاتب الشرطة و الإدارات الفرنسية، والثكنات وأحدثوا فزعا ورعبا في الجهاز الاستعماري بالجزائر، الذي تأكد أن هذه الثورة أصيلة ذات أهداف سامية، زد على ذلك انضمام المئات إلى صفوف الثوار إذ وصل عدد المجاهدين في سنة 1956 إلى أكثر من40 ألف، و أكثر من ذلك انتشرت الثورة في ربوع الوطن([7]).​
    تصميم النظام الاستعماري، على إجهاض الثورة بكل قوته، مما أدى إلى صعوبة الاتصال بين مختلف قيادات جيش التحرير الوطني، كما كانت الحاجة شديدة إلى السلاح، ولا يوجد من المال إلا القليل، إضافة إلى ضعف التنسيق في الأعمال كذلك ضعف التكوين السياسي للفرق المسلحة حيث يكاد يكون معدوما لأن الثورة كانت في حاجة ماسة إلى منهج سياسي ثابت.​
    ومما زاد من مناعة الثورة هو الالتحام الشعبي، والالتفاف حول جيش وجبهة التحرير الوطني، تأكيدا لمقولة العربي بن مهيدي:​
    " ساعدوني على إنزال الثورة إلى الشارع، وأنا سأضمن لها النجاح" إذ تمكنت جبهة التحرير الوطني من جمع الوطنيين وتوحيد الشعب الجزائري في كفاحه وبذلك تمكنت الثورة من أن تتوسع توسعا قويا([8]) .​
    ب- خارجيا:
    فيما يخص الظروف الدولية التي سبقت انعقاد مؤتمر الصومام يمكن حصرها فيما يلي: ​
    1-مظاهرة الطلبة الجزائريين في باريس بتاريخ23 فيفري1956 مما يعني نقل الثورة إلى التراب الفرنسي.​
    2-إعطاء الاستقلال للمغرب في 02 مارس ثم تونس في 20مارس 1956 وكل هذا تحت تأثير الثورة الجزائرية.​
    3-طرح القضية الجزائرية، لأول مرة على مجلس الأمن، ورغم رفضه إلا أنه اعتبرها قضية دولية، وهذا في حد ذاته انتصار خارجي.​
    4- مساندة دول عدم الانحياز في لقاء بريوني في جويلية 1956 بيوغسلافيا للقضية الجزائرية.​
    من خلال استعراض الظروف الداخلية، والخارجية للثورة نصل إلى نتيجة حتمية وهو أن التقاء الثورة على ا أعلى مستوى كان أكثر من ضروري لتقييم مسار عم ونصف من الكفاح المسلح، ووضع إستراتيجية مستقبلية لضمان نجاح العمل المسلح. فمؤتمر الصومام إذن كان خلاصة عام ونصف من الثورة وبداية الطريق للاستقلال([9]).​
    3- عقد المؤتمر:
    في أوائل 1956م، استطاعت الثورة أن تتخلص من كثير من الصعاب والمشاكل وتتخطى العراقيل والعقبات، كما استطاعت أن تتغلغل إلى أعماق الطبقات الشعبية، وتقوي نفوذها وسيطرتها، ولذلك فكر القادة من جديد في أمر المؤتمر وشرعوا في الإعداد له، فجرت اتصالات عديدة بين مسؤولي الولايات وقادتها وكانت الفكرة في البداية متجهة إلى ​
    عقد هذا المؤتمر في([10]) المكان المسمى بوزعرور في شبه جزيرة القل، نظرا لحصانته، لكن وصول نبا استشهاد بن بولعيد اثر نوعا ما على عملية التحضير، وبعد ذلك تم اقتراح ​
    الأوراس، ثم الأخضرية الواقعة في المنطقة الرابعة، وحدد يوم21 يوليو1956م لعقد المؤتمر، لكن تسرب الأخبار عن مكان وزمان عقده إلى السلطات الفرنسية أدى بالقيادة الثورية إلى إلغائه هناك([11]) ثم حدد في النهاية في المنطقة الثالثة (القبائل) بناحية البيبان التي تتوفر على أفضل الضمانات الأمنية والدخول السهل بالنسبة لممثلي المناطق، وكان على المؤتمرين أن يعبروا الصومام ويمروا إلى الضفة اليمنى نحو منطقة البيبان في 30جويلية 1956م، ولكن في مستوى مشدالة (مايو) سابقا اصطدمت القافلة بوحدة من الجيش الفرنسي وخاض أوعمران معركة على رأس جنوده، وخلال ذلك تمكن المسؤلون الآخرون من الابتعاد عن المكان، وحصل حادث أن البغل الذي كان يحمل قسما من الوثائق فر إلى إسطبل قديم بإحدى الثكنات الفرنسية في مايو أوتازمالت، وبعد أيام شن العدو عملية تمشيط واسعة بالضبط في منطقة البيبان (بني عباس، بني اورتيلان، بني يعلا)، وكان لابد من تعديل الخطة مرة أخرى([12]).​
    فقرروا في الحال تغيير مكان وتاريخ المؤتمر، ولقد التأم شمل المؤتمر في قرية ايفري بأوزلاقن، داخل غابة أكفادوا الكثيفة، فوق مدينة أقبو، وجنوب غرب مدينة بجاية على الضفة الغربية لوادي الصومام، وذلك ابتداء من منتصف أوت1956([13]) وبالضبط في منزل حارس الغابة السيد(سعيد محمد أمقران)، المدعو مخلوف في قرية ايفري، بعرش أوزلاقن (وهو مناضل قديم من قرية أغزر أمقران) وكلف القائد عميروش مساعده ​
    المجاهد أحميمي بحراسة مكان المؤتمر ومنطقته على رأس عدد كبير من الجنود المسلحين([14]).​
    وقد استعرض المؤتمرون في عدة جلسات نتائج وتجارب 22 شهرا من عمر الثور وما حصل خلالها من أحداث وتطورات، وانفرد القادة الكبار في اجتماعات مضيقة النطاق، ومناقشة الصيغ النهائية للقرارات والنتائج التي تنبثق عن المؤتمر([15]) ثم في 20أوت19565([16]) انتهى المؤتمر من أشغاله وصادق المندوبين الحاضرين بإجماع على كل المقررات و التوصيات التي توصل إليها المؤتمر خلال انعقاده، وتعتبر هذه القرارات من ووثائق الثورة الهامة، كما تعتبر نتائجها من العوامل الأساسية التي دفعت عجلات الثورة إلى الأمام بخطوات ثابتة، وأرست قواعد القيادة الجماعية على أسس متينة، وتتنوع هذه المقررات إلى سياسية وعسكرية([17]).​
    وقد حضره كل مندوبي الولاية الثانية، الثالثة، الرابعة ولظروف الحرب غاب عنه مندبوا الولاية الأولى، وقادة الخارج([18]).​
    أما عن أسباب اختيار 20 أوت كتاريخ لعقد المؤتمر فيعود إلى كونه:​
    -انتفاضة20أوت 1955 التي عمت منطقة الشمال القسنطيني.​
    -نفي محمد الخامس ملك المغرب يوم 20أوت1952 إلى جزيرة مدغشقر بصفته ممثل الفكر التقدمي الحر في مراكش يومئذ.​
    -قرب ذكرى انعقاد دورة هيئة الأمم المتحدة في أكتوبر 1955م التي دخلتها لقضية الجزائرية رغم أنف فرنسا([19])
  3. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية عضو طاقم فيض مشرف

    منتسب منذ:
    ‏16 مايو 2009
    المشاركات:
    8,939
    الإعجاب المتلقى:
    365
    نقاط الجائزة:
    264
    شخصياته:
    كما أسلفنا الذكر فقد حضره مندبوا كل الولايات، وهم على التوالي:​
    - العربي بن مهيدي: ممثل الإقليم الوهراني، رئيس الجلسة([20])​
    - عبان رمضان: ممثل جبهة التحرير،كاتب الجلسة([21]).​
    - عمار أوعمران : ممثل إقليم الجزائر العاصمة.​
    - كريم بلقاسم: ممثل المنطقة الثالثة.​
    - زيغود يزسف: ممثل الشمال القسنطيني([22]).​
    أما الغائبون:​
    - مصطفى بن بولعيد: ممثل الأوراس(النمامشة )استشهد.​
    - سي الشريف: ممثل الجنوب (متعين بعذر بعدما أرسل تقريره للاجتماع) ​
    - أعضاء البعثة الخارجية للجبهة: لصعوبة الوصول إلى مكان انعقاده([23]).​
    وهم أحمد بن بلة، حسين أيت أحمد، محمد خيضر(§).​
    5- جدول أعمال المؤتمر:
    فيما يخص سير الأعمال فقد تم وضع جدول لأعمال تنازل النقاط الخاصة بالمناقشات و التي تتطلب اتخاذ قرارات والتي تم حصرها في عشرة نقاط على النحو التالي:​
    1-شرح الأسباب التي دعت إلى الاجتماع وموضوع الاجتماع([24]).​
    2-تقديم التقارير التي تتعلق بـ:​
    أ‌-تقرير نظامي عن كيفية التقسيم و الهيكل العام للجيش ومراكز القيادة.​
    ب- تقرير عسكري،عدد المناضلين والمجاهدين، والوحدات ونظام تركيبها،الأسلحة​
    ج- تقرير عن المالية: المداخيل،المصاريف،المتبقية في الصندوق.​
    د-تقرير سياسي: عن معنويات المجاهدين والشعب.​
    3-القاعدة السياسية والنشرات المقررة([25]).​
    4-التوحيد في المجالات:​
    أ‌-النظامية: التقييم، الهياكل، التنقلات، مراكز القيادة.​
    ب-العسكرية: الوحدات، الرتب، الأوسمة، المرتبات، المنح العائلية.​
    جـ-السياسية:المحافظون السياسيون ومهامهم.​
    د-الإدارية: المجالس الشعبية.​
    5- جبهة التحرير الوطني: الجانب العقائدي، القانون الأساسي، النظام الداخلي، هيكلة القيادة، المجلس الوطني للثورة، لجنة التنسيق والتنفيذ([26]).​
    6- جيش التحرير الوطني: الألفاظ المستعملة (المجاهد، المسبل، الفدائي) المرحلة الحاضرة وتوسيع الهجومات، الإكثار من العمليات.​
    7- العلاقة بين جبهة التحرير وجيش التحرير، العلاقة بين الداخل والخارج.​
    8- العتاد.​
    9-نظام العمل: عسكريا وسياسيا ووسائله المادية: إيقاف القتال، المفاوضات، هيئة الأمم المتحدة، والحكومة المؤقتة.​
    10-مواضيع مختلفة([27]).​
    6- قرارات المؤتمر ونتائجه:
    أ- قراراته:
    تعتبر قرارات هذا المؤتمر من وثائق الثورة الهامة، وتتنوع هذه المقررات بين عسكرية وسياسية، شملت تحديد نظام جيش التحرير وتحديد أهداف الثورة من الحرب، ونظام الجبهة السياسي، وخططها، ومنظماتها والعلاقات بين الجيش وجبهة التحرير الوطني، وبين الداخل والخارج وفيما يلي ملخص لتلك القرارات([28]).​
    1-قسم المؤتمر البلاد إلى ست ولايات، وذلك بإضافة الولاية السادسة وهي الصحراء الجزائرية الكبرى([29])، غير أن المؤتمر أقر: العمل بالتقسيمات والتسميات الجديدة، فالمنطقة أصبحت تسمى ولاية، والناحية أصبحت تسمى منطقة، والقسم أصبح يسمى ناحية، أما تقسيم التراب الوطني فأصبح يضم ست ولايات وهي([30]): ولاية الأوراس، ولاية الشمال القسنطيني، ولاية القبائل، ولاية الجزائر، ولاية وهران، ولاية الجنوب، والتي استحدثت أثناء المؤتمر([31]).​
    2-التوحيد العسكري: ويكون على النحو التالي:​
    -يتألف جيش التحرير الوطني من عدة وحدات، حيث وضع أسماء لخلاياه على اختلافها، ووضع لها تعريفات تضبطها وأهمها:​
    -الفوج: ويتألف من أحد عشر جنديا، فيهم عريف واحد، وجنديان أولان، ونصف الفوج يشمل خمسة جنود، ويقوم عليهم جندي واحد.​
    -الكتيبة: وتشمل 110من الرجال.​
    - ​
    -الفيلق: ويشمل على350 رجلا([32]).​
    وقد حدد المؤتمر أيضا رواتب المجاهدين، لكل مجاهد الحق في منحة عائلية، أما المسبلون والفدائيون، فتصرف لهم أجور مثل المجاهدين بشرط أن يقوموا بالأعمال طوال الشهر، أما إذا اشتغلوا نصف الشهر أو ربعه فيجب أن تسقط تلك الأجور سب أيام العمل، ولا يصرف لهم إلا بقدر أيام العمل ولكل من الأسرى وعائلات الشهداء من المجاهدين والفدائيين الحق في أن تصرف لهم إعانات مثل المجاهدين، والذين نكبوا من جراء القمع الاستعماري تصرف لهم كذلك إعانات حسب الطاقة والإمكانيات([33]).​
    3-التنظيم السياسي: وشمل المهام الأساسية لكل محافظ سياسي وهي:​
    أ‌-تنظيم الشعب وتهذيبه.​
    ب- الدعاية و الأخبار، فالمفوضون السياسيون مسؤلون على إذاعة ونشر أخبار ​
    وأوامر جبهة التحرير الوطني، ومطبوعاتها مثل: المجاهد، المقاومة... فعليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم و يستعملوا مختلف الوسائل حتى ينشروا أخبار الثورة.​
    ج- الحرب النفسية: أصبح واجبا عليهم أن يردوا على أكاذيب الاستعمار وأساليبه الرخيصة، ويوثقوا علاقات الأخوة بين الشعب والمجاهدين باستمرار.​
    1-المالية والتموين: شكلت مجالس شعبية بواسطة الانتخابات تتكون من خمسة أعضاء من بينهم رئيس، وهذه المجالس تنظر في القضايا العدلية والإسلامية، والقضايا المالية و الاقتصادية.​
    2- تحديد القانون الأساسي والنظام الداخلي لجبهة التحرير الوطني والمنظمات المسيرة([34]).​
    وتتمثل المنظمات فيما يلي:​
    أ-المجلس الوطني للثورة:
    يتألف من أربعة وثلاثين عضوا،17 بالأصالة والنصف الباقي مساعدون([35]) يجتمع مرة في السنة مدة وجود الحرب، لقد كان بمثابة المجسد الحقيقي لمبدأ الوحدة داخل الثورة، ومن مهامه حماية السيادة الوطنية والقيام بمهمة التشريع، وهو الوحيد الذي له صلاحية اتخاذ القرار بالدخول في المفاوضات مع الدولة الفرنسية وكذا أوقف إطلاق النار، ضم بداخله مختلف التشكيلات السياسية([36])§.​
    ب-لجنة التنسيق والتنفيذ:
    انبثقت عن المجلس الوطني للثورة، تتولى تطبيق القرارات السياسية و العسكرية التي يتخذها أعضاء المجلس الوطني للثورة، تشكلت من:​
    - عبان رمضان مكلف بالتنسيق بين الولايات في الداخل و الخارج.​
    - العربي بن مهيدي، مكلف بالعمل الفدائي داخل المدن.​
    - كريم بلقاسم، مكلف بالعمل العسكري، وقائد الولاية الثالثة.​
    - بن يوسف بن خدة، مكلف بالإعلام والاتصالات باتحادات الطلبة والعمال.​
    - سعد دحلب، مسؤول عن صحيفة المجاهد، والدعاية([37]).​
    جـ-جيش التحرير الوطني:
    ينضم تحت قيادة موحدة وبقيادة مسؤول كل ولاية وحددت التشكيلات العسكرية كما سبق الذكر([38]):​
    6- تستخدم ألفاظ معينة في جيش التحرير الوطني وهي كالتالي:​
    - المجاهدون: وهم جنود جيش التحرير الوطني، يرتدون اللباس العسكري ويباشرون الحرب في القتال.​
    - المسبلون: يمثلون قوة احتياطية لجيش التحرير الوطني.​
    -الفدائيون: يقومون بالعمليات في المدن والقرى([39]).​
    7-تحديد العلاقة بين جبهة التحرير وجيش التحرير:
    حيث أكد برنامج الصومام على أولوية السياسي على العسكري([40])، فمن صلاحيات المسؤول السياسي في حدود دائرته الاتصال الدائم والتحاور المستمر مع مختلف شرائح الشعب، يتسلم مختلف الأموال و الهبات، يدفع النفقات والمنح العائلية، يجتمع بالمجالس الشعبية للدواوير كما يراقب أنشطتها، يسهر على شراء اللباس والتموين الضروريين وإعداد مراكز لذلك تحسبا لكل الاحتمالات، كما له الحق في اختيار نائب له يساعده على القيام بمهامه السالفة الذكر([41]).​
    أما صلاحيات المسؤول العسكري، في حدود دائرته، فهو مسؤول عن التدريب العسكري لجنود جيش التحرير الوطني، النشاطات والعمليات العسكرية التي تقع في حدود دائرته، يراقب ويجدد مكان العمليات ويقيم النتائج، يقوم بدفع مرتبات المجاهدين، كما أن المسؤول العسكري مطالب بتقديم تقريرين عقب كل عملية أو نشاط عسكري، التقرير الأول يقدمه إلى لجنة الناحية وإن تعذر ذلك فعليه أن يرسل التقرير مباشرة إلى مركز قيادة الولاية لاستغلاله في ميدان الدعاية.​
    أما التقرير الثاني فعليه أن يقدمه إلى لجنة القسم لترسله بدورها إلى الهيئة الأعلى عن طريق السلم التصاعدي([42]) .​
    8- تحديد العلاقات بين الداخل والخارج، أي تعطي الأولوية للداخل على الخارج([43]).​
    9- وضوح موقف جبهة التحرير الوطني:وهذا الموقف يعتمد على ثلاث اعتبارات هي:​
    - اتخاذ مذهب سياسي واضح لا غبار عليه.​
    - توسيع نطاق الكفاح المسلح باستمرار حتى تصبح الثورة عامة.​
    - القيام بنشاط سياسي واسع النطاق لصالح الثورة([44]).​
    10-الشروط الأساسية لوقف القتال:
    وقد تقرر أنه لا يمكن وقف القتال إلا في حالات:​
    - الاعتراف بالشعب الجزائري شعب واحد لا يتجزأ.​
    - الاعتراف باستقلال الجزائر وسيادتها في جميع الميادين.​
    الإفراج عن جميع الجزائريين، والجزائريات، الأسرى والمعتقلين والمنفيين بسبب نشاطهم الوطني قبل وبعد نشوب الثورة الوطنية في 1نوفمبر 1954.​
    - الاعتراف بجبهة التحرير الوطني بصفتها الهيئة الوحيدة التي تمثل الشعب وأنها وحدها المؤهلة للقيام بأية مفاوضات والمسؤولة عن وقف القتال والتحدث باسم الشعب([45]).​
    11- المفاوضات: وقد حدد كيف يجب أن تتم:​
    أ- بعد وقف القتال، تبقى جبهة التحرير الوطني هي المفاوض الوحيد باسم الشعب، وكل القضايا المتعلقة بتمثيل الشعب، من اختصاصات جبهة التحرير الوطني، ولا يقبل تدخل الحكومة الفرنسية في هذه الشؤون.​
    ب- تجرى المفاوضات على قاعدة الاستقلال التام بما في ذلك السياسة الخارجية والدفاع الوطني.​
    جـ- النقاط التي تجرى حولها المفاوضات([46]).​
    12 – الاستقلال: ليست الغاية التي تهدف إليها الثورة الوطنية التي بدأت في1نوفمبر 1954 هي استقلال الوطن فحسب، بل هي أيضا تأسيس جمهورية ديمقراطية واجتماعية، يستطيع أن يعيش فيها كل جزائري عيشة كريمة يسودها العدل والإنصاف، ولذلك يجب من الآن أن نروض أنفسنا على الخصال المطلوبة للانتقال بسهولة من حالتنا الحاضرة – حالة الحرب- إلى حالة البناء و التعمير([47]).​
    ومن خلال هذه القرارات المنبثقة عن مؤتمر الصومام، أن الثورة الجزائرية قد انتقلت من مرحلة المبادرة الفردية إلى مرحلة التنظيمات الفعلية.​
    ب- نتائج المؤتمر:
    إن عقد المؤتمر في حد ذاته يعتبر من أهم منجزات الثورة الجزائرية حيث عقد في ظروف تكالبت فيها قوات الاستعمار على تصفية الثورة كما أن عقده في وادي الصومام بالذات يعتبر تحديا من طرف قادة جيش التحرير الوطني، وكما يقول توفيق المدني :" فلقد كان مؤتمر الصومام صغيرا في حجمه، كبيرا في سمعته، كانت مقرراته تشبه ميثاقا وطنيا، أعطى أول مرة محتوى للثورة الجزائرية فقد أعطى نتائج أكثر مما كان متوقعا منه، حيث أزال مؤتمر الصومام، فكرة الزعامة و أقر أن الثورة من الشعب و إلى الشعب..." ([48]).​
    ويمكن إجمال النتائج التي حققها مؤتمر الصومام في:​
    أ- أزال فكرة الزعامة الفردية التي نبذها القادة، الذين حضروا للثورة في جميع مراحلها، ابتداءا من22، إلى الاجتماع الذي تقرر فيه تاريخ وساعة اندلاع الثورة، وأقروا مبدأ القيادة الجماعية، ووضعوا شعارا دائما للثورة، أقروه بالإجماع "وهو الثورة من الشعب إلى الشعب"([49]).​
    ب- استطاع أن ينظم الثورة بضمانه لها السير المنتظم إلى الأمام، من حسن على أحسن، وبفضله تخطت الثورة كل الصعوبات والعراقيل وتغلبت عليها رغم كثرتها وخطورتها، سواء فيما يتصل بالعدو، أو المتناقضات التي كانت داخل الثورة، نفسها([50]).​
    3- أعطى قيادة وطنية، لحركة التحرير،وأنشأ أجهزة قيادية وهي: مجلس وطني للثورة، لجنة التنسيق والتنفيذ.​
    كما أنه حدد هياكل جبهة التحرير وجيش التحرير على المستوى الوطني، وعين أشكال التنظيم وطرق العمل([51]).​
    4- تنظيم الشعب للالتفاف حول جبهة التحرير، وتحريضه على الثورة العارمة ضد المستعمر، وزيادة التلاحم بين الجيش وجماهير الشعب في الأرياف والمدن خاصة بعد خروج الشباب المثقف من إضرابه العام عن الدراسة من المدن وتطوعهم في صفوف جيش التحرير الوطني، حيث قام بخدمات كبيرة في ميدان نشر الوعي الاجتماعي والسياسي في صفوف الشعب، هذا الوعي أدى إلى إدراك الشعب مدى قوة جيش التحرير، وأبرز الهدف الحقيقي من كل ما يقوم به، وهو خدمة مصالح الشعب ومصلحة الوطن([52]).​
    5-إضافة إلى الأجهزة السياسية والإدارية التي وضعها المؤتمر والمتمثلة في لجنة التنسيق والتنفيذ، والمجلس الوطني للثورة هناك أجهزة أخرى والمتمثلة في:​
    أ- ظهور الشرطة الحربية والتي تمثل أدق أجهزة الجيش، وأنشطها، أما أنشطتها فلها عمل خارجي يتمثل في مراقبة تحركات كل جندي في إجازته، تحفظ الأمن في المدن والقرى والمناطق التي يسيطر عليها الجيش وتتولى تنفيذ الأحكام بين المدنيين([53]).​
    ب- المستشفيات منها المتنقل ومنها القار، وذلك بفضل النشاط الواسع لجبهة التحرير الوطني.​
    6-إنشاء هيئات اجتماعية مختلفة تعمل للتوعية و التوجيه من أجل بناء الجزائر هذه الأجهزة كالآتي:​
    أ-الاتحاد النسائي:والتي لعبت دورا كبيرا في توعية المرأة التي شاركت في معركة التحرير،وفي هذا الباب ورد: "إننا نحيي بتأثير وإعجاب الشجاعة الثورية المتحمسة التي عبرت عنها الفتيات والنساء، والزوجات والأمهات وجميع أخواتنا المجاهدات اللاتي تشاركن فعليا وبالسلاح أحيانا في النضال المقدس لتحرير الوطن"([54]).​
    ب-الكشافة الإسلامية: وحدت الجبهة الفرق والهيئات الكشفية الجزائرية بالمغرب العربي في إطار واحد، وخدمت القضية الجزائرية لدى الهيئات الكشفية العالمية.​
    ج-الهلال الأحمر الجزائري: لا يمكن لنا إهمال الدور الذي لعبه في إقامة الاتصال بالصليب الأحمر الجزائري، فضلا عن نشاطاته الأخرى.​
    د-النشاط الصحفي والجرائد: ظهرت جريدة المجاهد، الناطقة بلسان الثورة الجزائرية، وتطورت النشرات المحلية، فعرفت بالقضية الجزائرية لدى الهيئات والمحافل الدولية.​
    هـ-الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية:
    بعد أربع سنوات من الحرب التي عرفتها مسيرة الثورة الجزائرية قررت لجنة التنسيق والتنفيذ أن تنحل وتشكل حكومة جزائرية.​
    وفي 19 سبتمبر1958 تم الإعلان – في آن واحد - في كل من تونس والقاهرة وعدة عواصم أخرى عن تشكيل حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية([55]) توكل إليها مهمة إجراء المفاوضات،وكانت هذه الحكومة الجزائرية المؤقتة برئاسة فرحات عباس، وتعتبر هذه الحكومة حصيلة جهود و أوضاع محلية ودولية، وقد جاء تأسيسها تنفيذا لقرارات المجلس الوطني للثورة في اجتماعه المنعقد في القاهرة من22 إلى28 أب/أغسطس 1958، والذي كلف فيه لجنة التنسيق والتنفيذ بالإعلان عن تشكيل حكومة مؤقتة استكمالا لمؤسسات الثورة وإعادة بناء الدولة الجزائرية الحديثة([56]).​
    إن هذا المؤتمر الذي عقد بالولاية الثالثة (القبائل) بوادي الصومام في20أوت 1956، قد أعطى الثورة شكلا تنظيميا وأعطاها قيادة، وحدد القوانين والأسس التي تشير عليها في كامل التراب الوطني.​
  4. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية عضو طاقم فيض مشرف

    منتسب منذ:
    ‏16 مايو 2009
    المشاركات:
    8,939
    الإعجاب المتلقى:
    365
    نقاط الجائزة:
    264
    - انعكاسات المؤتمر وردود الفعل:
    على الرغم من النتائج الايجابية التي توصل إليها المؤتمر إلا أنه أثار العديد من التناقضات والانتقادات.​
    أ- موقف بعض قادة الولايات من المؤتمر:
    بالرغم من الدور الذي لعبته الولاية الأولى في تفجير الثورة، إلا أنها عرفت ظروفا قاسية، كادت أن تؤثر على مسيرة الثورة، بداية من اعتقال قائد الولاية مصطفى بن بولعيد، قرب الحدود التونسية الليبية، لكنه تمكن من الفرار في نوفمبر 1956، هذا الحدث ترك فراغا على مستوى القيادة، لم يستطع نائبه شيحاني أن يسده، زد على ذلك الموت الغامض، لبن بولعيد في23 مارس1956 أثناء التحضير لانعقاد المؤتمر، والذي أثار جدلا كبيرا ولم يكشف عن الحقيقة، ثم استشهاد شيحاني الذي كان محل ثقة الشهيد بن بولعيد كل هذه الأحداث لعبت دورا سلبيا، أدى إلى نشوب صراعات وتمردات بالولاية، تمثلت في إرسال وصلا متأخرين بعد انتهاء الأشغال.​
    ومن بين القرارات الأساسية التي أثارت جدلا كبيرا هو قرار العمل السياسي على العسكري، حيث أن القادة العسكريون لم يتقبلوا القرار باعتبارهم قادة المعارك، وهو ما أدجى إلى تجاوزات وصلت إلى غاية التصفية الجسدية([57]). وفي حقيقة الأمر أن تذمر الولاية الأولى من قرارات المؤتمر كان نابعا من شعور العسكريين بعدم أهميتهم، وأنهم يأتون في الرتبة الثانية بعد السياسيين، مع أنه في الحقيقة تصور خاطئ إذ أن المؤتمر كان يهدف إلى التنظيم، وكذلك ترتيب الأمور بالصورة المناسبة، كما أن الصراعات التي كانت تعيشها قيادة الثورة بشقيها السياسي والعسكري تعود بالدرجة الأولى للتقييم الجغرافي للولايات، إذ اتسمت بالاستقلالية بحيث أصبح كل قائد يشعر بالسلطة المطلقة على منطقته، ولا يسمح لأحد التدخل فيها([58]).​
    وكان للقاعدة الشرقية وبالذات سوق أهراس موقفا خاصا من المؤتمر ومن أعضائه وهذا ما أوضحه إبراهيم العسكري:"لمحات من مسيرة الثورة التحريرية الجزائرية ودور القاعدة الشرقية"، إذ قال بأنه من جملة سلبيات مؤتمر الصومام أنه لم يعر اهتماما للمنطقة الواقعة في أقصى الشرق من التراب الوطني، مع العلم أن هذه المنطقة تتمتع بإستراتيجية سياسية وعسكرية الشيء الذب يجعلها تتحكم في الثورة الجزائرية، حيث أن هذه المنطقة قامت بالتدريب العسكري والتجنيد كما اشترت الأسلحة الأوتوماتيكية من الخارج، وكذلك الألبسة العسكرية، وبعد هذه التحضيرات أعلنت هذه المنطقة في سنة1956، بأنها أصبحت الولاية السابعة تحت قيادة عناصر من الحركة الوطنية، وأطلقت على نفسها تسمية "سوق أهراس" ثم أصبحت "القاعدة الشرقية" وقرر قادتها المشاركة في مؤتمر الصومام وأعدوا لذلك تقريرا أدبيا يشمل جميع الجوانب، وكبقية الولايات شكلت وفدا للذهاب إلى المؤتمر وبالفعل ذهب الوفد باتجاه واد الصومام، إلا أن بعض العناصر من الولاية الثانية اعترضوا طريقه، وأخبروه بأن أشغال المؤتمر قد انتهت، وطلبوا منه تسليم التقرير الأدبي، فسلمه الوفد التقرير وعاد ليخبر قيادته أن المؤتمر قد انتهى، وبعد أيام قليلة سمع قادة ولاية سوق أهراس بأن المؤتمر بدأ أشغاله بوادي الصومام([59])، كما أن الخلاف الذي كان بين قادة سوق أهراس ومنطقة الأوراس في أوائل سنة1956 أدى إلى تجريد بعض العناصر من أسلحتها ونقلها إلى الأوراس كما زاد من السخط الداخلي مقتل "جبار عمر" أحد القادة المحبوسين في المنطقة ولكن المؤتمر لم يهمل هذه النقطة، حيث كلف زيغود يوسف قائد المنطقة الثانية بحل مشاكل سوق أهراس، وكلف العقيد عميروش بحل مشاكل أوراس النمامشة، لكن زيغود يوسف استشهد قبل أداء مهمته([60])، كما نشير إلى أن قرارات الصومام قد رفضت من بعض قادة المناطق فكان مصيرهم الإعدام، مثل ما ​
    وقع مع "عباس لغرور" مسؤول الولاية الأولى "الأوراس"، وهذا لعدم اعترافه بقرارات الصومام، وكذلك "لزهر شريط" مسؤول النمامشة([61]).​
    قرار أخر أدى إلى ظهور الاختلاف بين المسؤولين، وهو أولوية الداخل على الخارج والذي أدى إلى ظهور بوادر الصراع بين بعض القادة حول تزعم الثورة خاصة بين مسؤولي الداخل، وممثليهم في الخارج.​
    وقد كان هذا الوضع في طريقة نحو التطور حيث تحول إلى صراع داخل الثورة وإلى تعقيد العلاقة بين القادة في الداخل والخارج، ففي الحقيقة لا يوجد أي نص أو أمر يمنع المسؤول من العمل في الخارج والعودة إلى الداخل، ففي الداخل نقاوم نعرف من نهاجم أو نتراجع، هل نؤيد أم نعارض، ومهما يكن فإننا لا نستطيع أن نقرر في أمر أو في أخر إلا في الداخل، وبالخارج([62]).​
    وبرز الصراع واضحا بين أعضاء الخارج (أحمد بن بلة، أيت أحمد، محمد بوضياف، أحمد محساس...) والقادة في الداخل، وكاد أن يحدث انقسام خطير في القيادة والفصل في قيادة الزعامة هل تكون بالداخل أو بالخارج نتيجة لسجن القادة في الخارج بعد اختطاف الطائرة من طرف السلطات الفرنسية حيث تم إلقاء القبض على أحمد بن بلة، محمد خيضر، حسين آيت أحمد، محمد بوضياف، ولو لم يحدث ذلك، لوقع خلاف مرير في القيادة كان سيضر حتما بمصلحة الثورة، فلو بقي أعضاء الخارج لما وافقوا إطلاقا على مقررات مؤتمر الصومام([63]).​
    ولابد أن مؤتمر الصومام، كان يهدف إلى شيء أساسي يرغب في تحقيقه وهو خلق تنظيم جديد للثورة الجزائرية، ومهما يكن فإن أهمية المؤتمر لا يمكن إلغائها فقد تساهم بشكل أو بأخر في تحقيق النجاح للثورة الجزائرية.​
    ويبرز لنا من خلال هذه النقاط نوعا من الظواهر السلبية التي ظهرت داخل الثورة الجزائرية، ونشير أن المقصود في هذا الجانب ليس تشويه أو تحريف بل هو محاولة للتطرق إلى واقع معين ميز الثورة في مرحلة ما.​
    ب- صدى مؤتمر الصومام:
    على الصعيد الداخلي، لقد أوصى مؤتمر الصومام بتبني أرضية تجسد شعبية الثورة وكذا شموليتها، باعتبار أن الشعب هو أساس نجاح أي ثورة، لهذا ركز المؤتمر عليه، وما يدل على تطور الثورة بعد المؤتمر، هو دخول الحرب إلى المدن الجزائرية وانتشارها عبر الأرياف، وكانت العمليات في المدن تتم بطرق مختلفة منها التصفية الجسدية الفردية للعناصر الأجنبية المعادية والخونة، وضرب المؤسسات الاستعمارية الكبرى وغيرها من العمليات([64]).​
    أما في الأرياف فقد اتخذت الثورة طابعا مختلفا، تمثل في إلحاق الخسائر الفادحة بقوات العدو، نظرا للحصانة التي تتمتع بها الأرياف لوقوعها بين الجبال وهذا ما يجعلها أكثر ملائمة لمحاربة المحتل، كما أن الثورة بعد هذا المؤتمر حررت الجماهير الشعبية من الخوف الذي كان بأنفسهم حيث أعادت الثقة بالنفس للجماهير الجزائرية وانتزعت من نفوسها جذور الخوف من الاستعمار الفرنسي ومن قواته العسكرية([65])، ​
    ونشير في هذا الباب إلى الدور الفعال الذي لعبه المحافظون السياسيون في إطار رفع معنويات الشعب وتعزيزها، إذ تمكنوا من إحباط مناورات العدو كافة بإصدار المناشير التي توزع في الأرياف والمدن، وهذا لشرح المهام المرحلية التي يتوجب على المواطنين انجازها([66]).​
    أما على الصعيد الخارجي كان للثورة الجزائرية، تأثير عميق على الحياة الفرنسية خاصة بعد المؤتمر في كل المجالات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، وكذا العسكرية، ولم يفكر الاستعمار الفرنسي أن الثوار الجزائريين بإمكانهم نقل الثورة إلى أراضيه، وهذا بالمقارنة مع الرقابة الشديدة التي كانت مفروضة على الجزائريين([67])، وأكبر دليل على ما أحدثته الثورة الجزائرية من أزمات نسجل سقوط الحكومات الفرنسية المتتالية والتي عجزت على مواجهة اتساع رقعة الثورة، وحسم الأمر لصالحها، وهذه الحكومات هي: حكومة مانديس فرانس، غي مولي الأولى، بورجيس مونوري إدغافور، فيلكس غيار، غي مولي الثانية، وفيلملان وقضت على الجمهورية الفرنسية الرابعة([68])، وظهر تأثير الثورة الجزائرية على الصعيد العربي خاصة، وكذا الدولي فلقد استطاعت الثورة الجزائرية أن تفرض وجودها في الخارج، وتمكنت من نيل تأييد وإعجاب أشقائها العرب بصورة خاصة وكذا البلدان الاشتراكية، وبعض بلدان العالم الثالث، وكانت إذاعة صوت العرب القاهرة صوتا ناطقا بصدق باسم الثورة داعيا لها، مدافعا عنها([69]).​
    كما ظهر جليا في عدة مناسبات تأييد الشعبين التونسي والمغربي لمساعي الثورة الجزائرية من أجل تحقيق الاستقلال، دون أن ننسى جهود الحكومتين معا(المتمثلة في شخصيتي الرئيس بورقيبة، ومحمد الخامس)، من أجل إيجاد حل للقضية الجزائرية، وقد اتضح ذلك أكثر منذ1956 وهي السنة التي تم فيها استقلال المغرب وتونس،ورفق هذا الحدث تصعيد العمل المسلح بالجزائر([70]).​
    ليس هذا فحسب، بل وحتى على الصعيد الدولي، حيث أن الثورة كان لها صداها على المستوى الدولي عامة، فلقد استطاعت الثورة إبلاغ هيئة الأمم المتحدة بالقضية ​
    الجزائرية، وكان قبل ذلك قد تطرق إليها مؤتمر باندونغ الذي اتخذ قرارا بمساندة الجزائر، المغرب، تونس، ومساندة حقها في إدارة شؤونها واستقلالها، هذا الدعم فتح الطريق نحو هيئة الأمم المتحدة، وقد تم مناقشة القضية الجزائرية خلال الدورة الحادية عشر المنعقدة من12 نوفمبر 1956 إلى 8مارس1957 واستمرت مناقشة القضية الجزائرية خلال ستة دورات أي من سنة 1955 إلى غاية1962.​
    وكان عدد أنصار الجزائر يتزايد مرة بعد أخرى في حين كان موقف فرنسا يزداد تراجعا([71]).​
    هذا يظهر وبكل وضوح الأثر الذي تركه مؤتمر الصومام على الثورة الجزائرية هذا الأثر لم يتوقف عند صعيد واحد، فحسب بل تعداه إلى كل الأصعدة الداخلية والخارجية.​
    جـ-موقف فرنسا من قرارات الصومام:
    لقد أثار منهج الصومام السلطات الاستعمارية الفرنسية التي كانت تتعامل مع الثورة حتى تلك المرحلة بأنها حدث داخلي من اختصاص السلطات الفرنسية وتجلى بوضوح أن إرادة الثوار وأهدافهم، هي أبعد بكثير منا كانت تتصوره فرنسا، وقد عمت الثورة كامل التراب الوطني، أثناء هذه الفترة، أي بعد مؤتمر الصومام1956، وكثرت فيها هجومات جيش التحرير الوطني، وعجزت حكومة فرنسا عن إيجاد الحل الذي يقضي على هذه الثورة، فلجأت إلى اتخاذ عدة تدابير عن طريق المكر والخداع، والتدابير العسكرية.​
    فلقد قامت السلطات الفرنسية يوم22أكتوبر 1956، باختطاف الطائرة المقلة لوفد جبهة التحرير الوطني الجزائري([72])، عندما كان الوفد الجزائري في طريقه من المغرب الأقصى، إلى تونس لحضور المؤتمر الذي دعت إليه تونس أقطار المغرب العربي ​
    الثلاثة، والهدف من هدا المؤتمر، هو تأسيس اتحاد فدرالي بين تونس والجزائر والمغرب الأقصى، على أن يساعد هذا الاتحاد في حل المشكل الجزائري.​
    وأثناء ذهاب الوفد من المغرب لحضور المؤتمر في تونس على متن طائرة مغربية، يقودها فرنسي تمت عملية القرصنة باستعمال سلاح الطيران الفرنسي، وبتآمر مع الطيار، أرغمت الطائرة على الهبوط في الجزائر العاصمة في22 أكتوبر 1956 والتي كان على متنها محمد بوضياف، أحمد بن بلة، محمد خيضر، حسين آيت أحمد، مصطفى الأشرف.​
    وفي الليل أذاع "راديو مونتيكارلو" النبأ وقد جاء فيه "إن السلطات الفرنسيةقد ألقت القبض على الزعماء الجزائريين الخمسة الذين ذهبوا من المغرب على تونس من أجل المشاركة في مؤتمر سياسي وأنزلتهم في مدينة الجزائر، حيث سارت بهم مقيدين إلى السجن([73]) وقد قام هؤلاء الخمسة بإضراب عن الطعام يوم05 نوفمبر، وسرعان ما ذاع خبر الإضراب وباشرت أجهزة الإعلام المصرية حملتها الدعائية لتتهم حكومة فرنسا بالتخلي عن إنسانيتها وتحمل ديغول وأعوانه عواقب هذا العمل([74])، وهكذا ظنت أنها بهذه العملية قد قضت على زعماء الثورة كما أذاعت، وبذلك تكون حققت هدفها في إضعاف الثورة، إذا أخذت وسائلها الدعائية تزعم أن رأس الثورة قد قطع وأن الثوار لن يلبثوا طويلا حتى يضعوا السلاح، لكنها أدركت أنها قد أخطأت مرة أخرى([75]).​
    لم تكتف فرنسا بعملية القرصنة، وإنما لجأت إلى وسيلة أخرى حيث شاركت في العدوان الثلاثي على مصر، إلى جانب بريطانيا وإسرائيل يوم29 أكتوبر1956، وكانت حجتهم في الاعتداء تأميم قناة السويس، إلا أن الحقيقة هو سبب المستندة العلنية للحكومة المصرية لرئاسة جمال عبد الناصر، للثورة الجزائرية، واشتراك فرنسا في هذا العدوان الثلاثي، لم يزحزح موقف الشعب المصري من القضية الجزائرية، وذلك ما صرح به ​
    الزعيم المصري في خطابه بعد العدوان بالإسكندرية إذ قال: "ومن هنا نبعث بتحيتنا إلى ثوار الجزائر في كفاحهم البطولي من أجل التحرر والاستقلال، ونعلن للعالم إننا لن نتخلى عن ذلك الكفاح البطولي"([76]).​
    وقد شهدت الفترة ما بين ديسمبر1956 إلى سبتمبر 1957،معركة مدينة الجزائر والتي كانت طاحنة بين المسبلين من جبهة التحرير ووحدات المظليين الفرنسيين وقامت هذه الأحداث بمحاصرة الجزائر العاصمة لتستول على حي القصبة واتبعت تخطيط المربعات "الكاردياج" في الهجوم الذي كان بقيادة العقيد "ترانكي" الذي أخضع سكان مدينة الجزائر، إلى نظام تفتيش رهيب، وفرض مراقبة شديدة في كل حي ومنزل وأصبحوا يخضعون للتعذيب كل الناس بدون مراعاة السن أو الجنس.​
    أما عن القرى و الأرياف، فقد حوصرت وأجبر سكانها على الجلاء من ديارهم وجمعوا في مخيمات خاصة، ووزعت مناشير عديدة لجميع سكان الدواوير، تنذرهم فيها فرنسا وتخيرهم إما أن ينظموا إلى فرنسا ويلتحقون بالمخيمات، أو أنها ستقضي عليهم باستخدام الدمار([77])، كما عمدت فرنسا إلى عزل الثورة، وذلك بتوسيع الأسلاك الشائكة بعد انعقاد مؤتمر الصومام 1956، ومنذ هذا التاريخ، أصبحت هذه الوسيلة في نظر فرنسا وسيلة دفاعية أكثر منها هجومية وبالموازاة مع سياسة التجميع ومضاعفة شبكة الجوسسة والعمل النفسي، وبطلب من وزير الدفاع الفرنسي أندري موريس تبنت الحكومة الفرنسية مشروع أسلكة الحدود الغربية و الشرقية مع كل من تونس والمغرب لأهميتها بالنسبة للثورة الجزائرية، كما تم تلغيم هذه الخطوط وتزويدها بأجهزة الإنذار، وقد وصلت على الحدود إلى مئات الكيلومترات، وتراوح عرضها ما بين 40و60 متر فأكثر، حتى يصعب اجتيازها، وكانت فرنسا تهدف من وراء وضعها لهذه الأسلاك إلى خنق الثورة الجزائرية في مهدها، وعزلها عن الشعب والعالم الخارجي، وتوقيف الإمداد المغربي والتونسي لها​
    إضافة إلى تمكين الرعب واليأس، في نفسية الجزائر، بعد توسيع المناطق الشائكة المدعمة بوحدات دائمة الحركة للمراقبة والحراسة،... الخ([78]).​
    وهكذا استطاع مؤتمر الصومام أن يبعث الاضطراب قي السياسة الفرنسية بعد قراراته التي ظهرت نتائجها في العام الأول للمؤتمر، ومن هنا تبرز أهمية هذا المؤتمر الذي أعطى للثورة انطلاقة جديدة مكنتها من الانتصارات في الداخل وإسماع صوتها في الخارج، إذ جعلها تكسب تأييد الرأي العام العالمي وتؤمن لنفسها طريق النصر النهائي.​

    [1] جريدة أنوار الحق (حوار مع الدكتور العربي الزبيري)، العدد 39، نوفمبر 1992،8.​

    [2] أحمد بن نعمان، "جهاد الجزائر حقائق التاريخ ومغالطات الإيديوجغرافيا"، دار الأمة، الجزائر،1998،ص133.​

    ([3])مجلة الرؤية، المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية، الجزائر، ع3 ،1997، ص218.​

    § من العناصر القيادية في حركة انتصار الحريات الديمقراطية.​

    § عنصران قياديان في الحزب الشيوعي الجزائري.​

    ([4])محمد عباس ثوار عظماء، شهادات 17 شخصية وطنية،دار هومة، الجزائر2003،ص371.​

    ([5]) بن يوسف بن خدة، لشهادات ومواقف، دار النعمان للطباعة و النشر، الجزائر2004،ص64.​

    ([6]) زغيدي، المرجع السابق،ص131.​

    [7] بوعزيز، المرجع السابق، ج2، ص143.​

    [8] زغيدي، المرجع السابق،ص131-132.​

    ([9])جمال يحياوي، المصادر (...فرنسا تعذب في الجزائر)، المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية وثورة 1نوفمبر1954، العدد05، سنة2001، ص137.​

    ([10]) يحي بوعزيز،"ثورات الجزائر في القرنين التاسع عشر والعشرين"، دار البعث،الجزائر،ط1، سنة1980،ص318.​

    ([11]) مجلة الرؤية، المرجع السابق، ص218.​

    ([12])مبروك بلحسين، "المراسلات بين الداخل والخارج (الجزائر ،القاهرة)"، مؤتمر الصومام في مسار الثورة التحررية، دار القصبة، الجزائر،2004،ص52-53.​

    ([13]) بوعزيز ،المرجع السابق،ج2،ص158​

    ([14]) يحي بوعزيز ،"الثورة في الولاية الثالثة (1954-1962م)، دار الأمة،الجزائر،ط1، 2004، ص75.​

    ([15] ) بوعزيز ،المرجع السابق،ج1، ص319.​

    ([16]) إحدادن، المرجع السابق، ص29.​

    ([17])بوعزيز ،نفسه، ص319.​

    ([18])عمورة، المرجع السابق،ص394.​

    ([19])عبد الوهاب الكيلاني ومجموعة أخرى، الموسوعة السياسية، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، ط1، 1994، ص68.​

    ([20]) رشيد بن يوب، "دليل الجزائر السياسي"، المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر، ط1، سنة 1999، ص129. ​

    ([21] ) سعيد بورنان،" شخصيات بارزة في كفاح الجزائر(1830-1962)"، دار الأمل، الجزائر، ج2، سنة2002، ص79.​

    ([22] ) حميد ع/ق، "فرحات عباس رجل الجمهورية"، دار المعرفة، الجزائر،2007، ص302. ​

    [23] عيسى كشيدة، "مهندسو الثورة"، منشورات الشهاب، الجزائر 2003،ص215.​

    (§ ) للتعرف على هذه الشخصيات، انظر الملحق رقم2،ص​

    ([24] ) محمد لحسن زغيدي، مجلة النائب،"مؤتمر الصومام وتشكيل أول مجلس وطني للثورة"،المجلس الشعبي الوطني، الجزائر، عدد خاص 2004، ص103.​

    ([25] ) زغيدي المرجع السابق،ص135.​

    ([26] )أحمد بن نعمان، جهاد الجزائر ،"حقائق التاريخ ومغالطات الإديوجغرافيا" ،دار الأمة، الجزائر 1998،ص135.​

    ([27])ا زغيدي ، نفس المجلة السابقة ،ص104. ​

    ([28]) بوعزيز، المرجع السابق، ج2، ص158.​

    ([29]) زغيدي المجلة السابقة، ص105.​

    ([30] ) يحي بوعزيز، المرجع السابق ، ص80.​

    ([31] ) مصطفى هشماوي، "جذور نوفمبر 1954"، دار هومة، الجزائر، ب ت، ص119.​

    ([32])عبد المالك مرتاض،"دليل مصطلحات ثورة التحرير الكبرى 1954-1962"، المطبعة الحديثة، الجزائر، ط1، ب ت ص38.​

    ([33])بوعزيز، المرجع السابق، ج1، ص327.​

    ([34]) بوعزيز، المرجع السابق، ج2، ص167-168-169.​

    ([35])رخيلة ، مرجع سابق،(مذكرة ماجستير)،ص187.​

    ([36]) زغيدي، المرجع السابق (مجلة النائب)، ص105.​

    (§) انظر الملحق رقم4، ص98​

    ([37]) بوحوش، المرجع السابق، ص397.​

    ([38] )مرتاض، المرجع السابق، ص38.​

    ([39] ) رخيلة، مرجع سابق (مذكرة ماجستير)، ص70.​

    ([40] ) محمد حربي،" الجزائر 1954-1962 جبهة التحرير الوطني،الأسطورة والواقع"، دار الكلمة، لبنان، ب ت، ص 154.​

    ([41]) "مذكرات علي كافي من المناضل السياسي إلى القائد العسكرس1946-1962"، دار القصبة للنشر، الجزائر، 1999، ص111.​

    ([42]) كافي، المصدر السابق، ص110.​

    ([43]) حربي، المرجع السابق، ص154.​

    ([44]) بوعزيز، المرجع السابق، ج2،ص170.​

    ([45]) بوحوش، المرجع السابق، ص40.​

    ([46] )بوعزيز، المرجع السابق، ج1، ص332.​

    ([47])بوعزيز، المرجع السابق، ج2، ص172.​

    ([48]) أحمد توفيق المدني، "حياة كفاح"،الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ج3، 1984، ص228.​

    ([49]) زغيدي، المرجع السابق، (مجلة النائب)، 108.​

    ([50]) بوعزيز، المرجع السابق، ص79.​

    ([51] )محمد العربي الزبيري، "تاريخ الجزائر المعاصر 1954-1962"، منشورات اتحاد العرب،ج2،عام1999،ص49.​

    ([52]) العسكري، المرجع السابق، ص124. ​

    ([53]) العسكري، نفسه، ص124.​

    ([54]) زغيدي، المرجع السابق، ص149. ​

    ([55])سعد دحلب، "المهمة منجزة من أجل استقلال الجزائر"، منشورات دحلب، سنة1986،ص78.​

    ([56])عمر سعد الله، "الحكومة الجزائرية المؤقتة و القانون الدولي الإنساني"، مجلة المصادر، المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، العدد14، سنة2006، ص67.​

    ([57] )عمار قليل،"ملحمة الجزائر الجديدة"، دار البعث، قسنطينة، سنة1991، ج3، ص409-410.​

    ([58])جريدة النصر، العدد6201، ص03.​

    ([59]) العسكري، المرجع السابق، ص127-128.​

    ([60]) قليل، المرجع السابق، ص410​

    ([61])جريدة النصر، المرجع السابق، ص03.​

    )[62] (Saad Dahleb : Mission Accomplie (l’imprimerie Dahleb), Alger, 1990, p44.

    ([63])بوحوش، المرجع السابق، ص402.​

    ([64] ) بوالطمين، مرجع سابق، ص62.​

    ([65] ) لحسن بومالي، "إستراتيجية الثورة الجزائرية في مرحلتها الأولى 1954-1956"، المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار، الجزائر، 1994، ص363.​

    ([66] ) زغيدي، المرجع السابق، ص140.​

    ([67]) ب.بولعراس، "دور المجاهدين الجزائريين في الثورة الجزائرية"، مجلة الجيش، العدد436، نوفمبر 1999، ص16.​

    ([68] ) بوعزيز، المرجع السابق، ص65.​

    ([69] ) بوالطمين، مرجع سابق، ص191.​

    ([70])عامر رخيلة، "الثورة الجزائرية والمغرب العربي"،مجلة المصادر، المركز الوطني للأبحاث والدراسات، الجزائر، العدد1، 1999، ص156.​

    ([71] ) بسام العسلي، "الاستعمار الفرنسي في مواجهة الثورة الجزائرية"، دار النفائس، بيروت، ط1، سنة1984، ص133.​

    ([72] ) بوحوش، المرجع السابق، ص401.​

    ([73]) زغيدي، المرجع السابق، ص160-161.​

    ([74] )فتحي الديب،" عبد الناصر وثورة الجزائر"، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1984، ص532.​

    ([75])زغيدي، نفسه، ص161.​

    ([76])عمورة، المرجع السابق، ص401.​

    ([77])زغيدي، المرجع السابق، ص163.​

    ([78] ) أحمد مريوش،" الأسلاك الشائكة المكهربة"، سلسلة الملتقيات، المركز الوطني للدراسات و البحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954ظ ت ب ت ،ص148-150.​
  5. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية عضو طاقم فيض مشرف

    منتسب منذ:
    ‏16 مايو 2009
    المشاركات:
    8,939
    الإعجاب المتلقى:
    365
    نقاط الجائزة:
    264
    [​IMG]
    عمر​
    بوداود​
    محمد​
    بن يحي​
    علي​
    كافي​
    مدخل القاعة​
    [​IMG]

    سي موسى (عكاش عمر)​

    علي هارون​


    [​IMG]

    ([22])​

    كانت هذه هي تشكيلة المجلس الوطني غداة مناقشة مشروع الحمامات الذي سيتحول إلى ميثاق طرابلس، بعد تعديله والتصويت عليه حيث افتتحت مناقشته في28 ماي 1962م على الساعة التاسعة والنصف صباحا، تحت رئاسة محمد بن يحي في البدء، شرع الحاج بن علا في قراءة مداخلته المتمحورة أساسا حول الأزمة التي تهز جبهة التحرير الوطني، وقد تطرق إلى الصراع القائم منذ أشهر بين هيئة الأركان والحكومة المؤقتة الجزائرية كما ندد بركود المؤسسات الموجودة، واقترح أن تتكفل الدورة بالمهام العجلة، ومن بين المهام العاجلة، إعادة هيكلة جبهة التحرير الوطني، وتحضير الاستفتاء الخاص بتقرير المصير، بالإضافة إلى النظر في الوضع المأساوي الذي نادته المنظمة السرية العسكرية (O.A.S)، وإرساء هياكل تابعة للدولة وقد دام النقاش ثلاثة أيام، يومي29 و30 ماي والأول من شهر جوان وفي جلسة المساء تقرر قبول مبدأ إنشاء لجنة مهمتها إدراج الملاحظات الواردة داخل النصوص في الجلسات العلنية وقد اقترح بومدين خمسة أعضاء لتشكيلها: أحمد بن بلة، أحمد بومنجل، علي هارون، قايد أحمد، أحمد يزيد وعضوين مساعدين آخرين حاج بن علا، عبد الحميد مهري، اجتهدت هذه اللجنة لتقدم يوم جوان نتائج أشغالها([23]).
    3-انعقاد مؤتمر طرابلس الثالث:
    بعد مناقشة الحمامات انعقد مؤتمر طرابلس بأيام قليلة قبل الإعلان الرسمي للاستقلال و بالتحديد في جوان 1962، شاركت في هذا المؤتمر تقريبا كل القيادات التي برزت أثناء الثورة التحريرية عسكرية أم سياسية كانت موجودة في الداخل، أم الخارج بما فيها السجناء من قيادي الثورة، وقد خرج المؤتمرين منه ببرنامج سمي بميثاق طرابلس الذي تناول موضوع تنظيم الدولة الجزائرية القادمة بجميع أبعادها([24]).


    4- ميثاق طرابلس:
    لقد صادق الحاضرون على برنامج طرابلس، الذي احتوى على محاور كبرى تتعلق بماضي وحاضر، ومستقبل المجتمع الجزائري، وردت مفصلة وموسعة وشاملة لمختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعيشها الجماهير الشعبية الجزائرية وكان محتوى هذا البرنامج مستهلا بـ:
    إبراز صورة شاملة عن الوضعية الجزائرية، ومكانة السيادة الوطنية فيها، حيث بانتهاء مفاوضات إيفيان وتتويجها باتفاقيات 18 مارس 1962 التي وضعت حدا لحرب إبادية طويلة غذتها الرأسمالية الفرنسية ضد الشعب الجزائري، اعتبرت اتفاقيات إيفيان انتصارا للشعب الجزائري هذا الانتصار الذي تحقق من حيث المبدأ قبل إجراء الاستشارة الشعبية التي تفضي حتما إلى استقلال الجزائر([25]).
    أما المحور الثاني الذي تناوله برنامج طرابلس فقد تضمن موضوع الحرب الاستعمارية وتحول الاستعمار الفرنسي، وطبيعة النظام الاستعماري الذي واجه الثورة الجزائرية بطريقة إبادية حقيقية، لقد كشف كفاح الشعب الجزائري عن حقيقة الاستعمار الفرنسي و طبيعته الأصلية وكونه نظاما ديكتاتوريا، كونه لم يتردد في سحق الثورة الجزائرية بانتقاله من النظام القديم إلى النظام الجديد عن طريق بعض مشاريع الإصلاحية كمشروع قسنطينة، لكن و أمام فشل هذه المساعي في ظل حدة الكفاح الثوري الجزائري لم تجد فرنسا بدا من اللجوء إلى التفاوض الذي انتهى بالاعتراف بالسيادة الوطنية([26]).
    أما المحور الثالث فقد اشتمل على موضوع الجزائر على أبواب الاستقلال مشيرا إلى أن اتفاقيات إيفيان نظرت إليها الأوساط الاستعمارية التقليدية والفاشية على أنها بمثابة هزيمة ساحقة، وإهانة لم يسبق لها مثيل الأمر الذي أدى بالمستوطنين إلى محاولة إقامة نظام فاشي وإشعال نار الحرب من جديد بالجزائر عن طريق منظمتهم الإجرامية O.A.S وعدم الاعتراف بنتائج اتفاقيات إيفيان، ولئن كانت اتفاقيات إيفيان تمثل انتصارا للشعب الجزائري من أجل تحقيق الاستقلال فهي في المقابل تثير عدة مشاكل أمام الدولة الجزائرية المستقلة بسبب بقاء المستوطنين الفرنسيين وحجم الضمانات التي أعطيت لهم، بموجب هذه الاتفاقيات وهي تتعارض مع المرامي الأساسية للثورة الجزائرية، بيد أن الدولة الجزائرية بإمكانها إدخال إصلاحات جوهرية في نطاق سيادتها الداخلية، وبالمشروع في البناء و التشييد عن طريق اتخاذ قرارات عاجلة وناجعة، بهدف التغلب على هذه الصعوباتـ وإذا كانت السيادة الوطنية قد استرجعت والجزائر على أبواب الاستقلال يبقى أن يعطي محتوى التحرير الوطني، لأن فرنسا وإن كانت قد عارضت طويلا استقلال الجزائر إلا أنها تحاول في هذه الظروف توجيه استقلال الجزائر وفق مقتضيات سياستها الاستعمارية([27]).
    واحتوى المحور الرابع على موضوع ارتبط أساسا بمعالجة نقائص جبهة التحرير الوطني، وحلل تلك النقائص تحليلا نقديا وكشف الأسباب والخلفيات التي نتجت عنها تلك النقائص المتمثلة في:
    1-جهل المؤهلات الثورية العميقة للشعب في الأرياف، كان من الأسباب الرئيسية لقلة الوعي المناف للثورة الذي يسيطر على جبهة التحرير الوطني بنظرتها إلى الكفاح المسلح من زاوية التحرير الوطني فقط، وهو ما يكشف عن جهلها للمؤهلات الثورية العميقة في الأرياف، فبالرغم من أن جبهة التحرير الوطني ظهرت كنزعة طلائعية متجاوزة أساليب ومفاهيم ومناهج الحركات السياسية التي كانت قائمة قبل اندلاع الثورة التحريرية فإن برنامج طرابلس يرى أنها لم تتجاوز إيجابيا الهدف الوحيد المسجل في البرنامج التقليدي للحركة الوطنية وهو الاستقلال، وبين برنامج طرابلس أنه على الرغم ما في المدى الثوري للكفاح الوطني من جدة وأصالة نجد أن الجماهير الشعبية تدركهما وتشعر بهما أكثر من الإطارات والأجهزة المسيرة.
    2-الوعي الجماعي وممارسات جبهة التحرير، حيث ينتهي برنامج طرابلس إلى أن ممارسات جبهة التحرير الوطني، كان يتم بعيدا عن ذلك الوعي الجماعي النابع من واقع ومعاناة الجماهير وهو ما عبر عنه في نصه:"نشاهد تباعدا خطيرا بين الوعي الجماعي، الذي نصح باتصاله بالواقع من جهة وبين ممارسات جبهة التحرير الوطني ، في كل المستويات من جهة أخرى" ويرجع برنامج طرابلس ذلك إلى غياب العامل الإيديولوجي في ممارسات الجبهة للسلطة، وعدم بذلها لأي جهد في هذا الميدان([28]).
    3-المظاهر الإقطاعية في بعض جوانب نظام الجبهة، حيث كان لضعف التربية الديمقراطية في صفوف المناضلين والمواطنين على السواء، انعكاساته على بعض جوانب نظام الجبهة التي لم تقم "رغم معارضتها للإقطاعية وأسسها الاجتماعية" بأي مجهود لحماية نفسها (الجبهة من آثار الإقطاعية)، وحسب برنامج طرابلس فإن ذلك يرجع إلى أن الجبهة:" تناست بأن مفهوم المسؤولية المتطرفة وعدم المقاييس الصحيحة وانعدام الثقافة السياسية هي التي تساعد على خلق الروح الإقطاعية أو على بثها من جديد" والإقطاعية في مفهوم برنامج طرابلس لا تتوقف عند شكل واحد أو طبقة معينة، فهي ذات أشكال متنوعة إذ أنه:"كما وجدت إقطاعية زراعية يمكن وجود إقطاعيات سياسية ومجموعات فوضوية من القادة والرؤساء وفرق متحزبة من الزبائن والأشياع " ويرجع برنامج طرابلس ذلك إلى غياب الديمقراطية وانعدام ممارستها في صفوف المناضلين والمواطنين.
    4- النفسية البرجوازية، حيث يرى برنامج طرابلس أن من المظاهر السلبية التي سيطرت على عدد كبير من الإطارات والمناضلين، تلك الذهنية البرجوازية أو النفسية البرجوازية الصغيرة على حد تعبير البرنامج الذي يرى أنها: "نسيت في ماضي حياتها السياسية في إحداث خرائب لا حصر لها وهي توشك اليوم وبنفس الأهمية التي توجد في بقايا الإقطاعية أن تحدث ضررا فادحا بالثورة"، ويعيد برنامج طرابلس جذور خلفيات النفسية البرجوازية إلى طبيعة عمل الأحزاب السياسية قبل الثورة، ولتركيبتها المتكونة أساسا من سكان المدن.
    5- انفصال القيادة عن الجماهير، إذ كان لابتعاد القيادة عن الواقع الذي تعيشه الجماهير أن خلق هوة بين القيادة، والجماهير الشعبية إذ أن:"انتصاب المرجع الأعلى لجبهة التحرير الوطني الجزائري في الخارج منذ السنة الثالثة للكفاح بالرغم من أنه كان لحاجة اقتضتها الظروف إذ ذلك قد تسبب في إيجاد قطيعة بين القيادة والواقع الوطني وقد كان من الجائز أن تكون هذه القطيعة قاضية الجائز لحركة التحريرية كلها" ويعني البرنامج بذلك أن مغادرة لجنة التنسيق والتنفيذ لمدينة الجزائر سنة1957، في اتجاه تونس أثر معركة الجزائر، كان يمكن أن تكون نتائجه بالنسبة لاستمرار الثورة نتائج وخيمة.
    ويختم برنامج طرابلس نقده لنقائص جبهة التحرير الوطني، بالتأكيد على "أن تجربة سبع سنوات ونصف أثبتت أنه، من غير إيديولوجية ناضجة ومنسجمة مع الواقع الوطني وجماهير الشعب، لا يكون هناك حزب ثوري تلك هي حقيقة الحزب وإيديولوجيته، وبدون هذين الأساسين لا وجود للحزب إطلاقا"([29]).
    أما المحور الخامس الذي تناوله برنامج طرابلس فهو الثورة الديمقراطية الشعبية فالشعب الجزائري المظفر الذي يعيد للجزائر سيادتها الوطنية واستقلالها بعد حرب تحريرية مريرة وهو يدرك أن المعركة لم تنتهي بعد، بل بالعكس يجب أن تستمر لتوسيع ودعم وانتصار الكفاح المسلح بالتشييد الثوري للدولة وللمجتمع باعتبار مهام الثورة الديمقراطية الشعبية تتطلب تحليل المعطيات الموضوعية للواقع، إن الجزائر ما انفكت ترفض الاستعمار الفرنسي وممارسته الإقطاعية منذ أكثر من قرن كونه يرتكز على الاستغلال الامبريالي واستغل الشعب الجزائري استغلالا بشعا فطرد الجزائريين من أراضيهم، وتعرضت ممتلكاتهم إلى النهب وإلى السلب وحل المستوطنون محلهم، وكان من الضروري أمام هذا الوضع المتأزم القيام بثورات شعبية تزعزع كيان الاستعمار والإقطاعية الجزائرية، لذلك توجب على الثورة إزالة أثار الإقطاع بصورة نهائية لخدمة مصالح الشعب والوطن.
    أما بشأن تحليل المحتوى الاجتماعي لجبهة التحرير الوطني، فقد ورد في البرنامج أن المقومات الاجتماعية لهذه الحركة تضم مجموع الشعب الجزائري وبشيء من التحليل للمحتوى الاجتماعي لكفاح التحرير يلاحظ أن الفلاحين والعمال هم الذين كانوا يشكلون القاعدة العاملة للثورة وأعطوها الطابع الشعبي، والتحاقهم الجماعي بصفوفها هو الذي كان سببا في انضمام فئات اجتماعية وطنية أخرى عليها، فكان تتويج الشعب الجزائري بالانتصار يتطلب من قادة الثورة الالتفات بعناية فائقة إلى وقود الثورة من فلاحين وعمال، وفي هذا السياق ينبغي التركيز على الأوضاع الجديدة وإعطاء الإمكانيات لمواطنين الذين سيفيدون بلدهم، وعليه فالمهام الأساسية للثورة الديمقراطية هي معالجة مكاسب الكفاح وتحليلها انطلاقا من الواقع الجزائري مع أخذ بعين الاعتبار مستلزمات التقدم المصري، والاكتشافات العلمية، وتجارب الحركات الثورية في العالم.
    أما المحور السادس الذي تناوله برنامج طرابلس، فقد تطرق إلى الكفاح المسلح الذي يجب أن يترك المكانة للمعركة العقائدية، وأن الثورة الديمقراطية يتعين عليها أن تخلق الكفاح من الاستقلال الوطني:"إن الثورة الديمقراطية تشيد واع للبلاد، في إطار مبادئ اشتراكية وسلطة في أيدي الشعب".
    أما فيما يخص المحتوى الديمقراطي فقد جاء في البرنامج أن مهام الثورة تتمثل في تقوية المواطن وإعادة له قيم المكبوتة التي ستصاغ في منظور حديث، بعد إلغاء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للإقطاع ومخلفاتها وإقامة مؤسسات وهياكل جديدة كفيلة بتحرير الإنسان من عوامل الإمبريالية ومما ورد في هذا الاتجاه، "إن الوضع الاجتماعي والثقافي للبلاد يتوقف على ظروفها الاقتصادية وحتى تكون تنمية الجزائر سريعة ومنسجمة نحو الاستجابة لاحتياجات الجميع في إطار نظام تعاوني يجب أن تصاغ التنمية في منظار اشتراكي بالضرورة..." ( [30])
    وعند تطرقه للمحتوى الشعبي ذكر البرنامج بأن مصير الفرد الجزائري، مرتبط بمصير مجتمعه وأن الديمقراطية تتجاوز حدود تفتح الحريات الفردية، إلى التعبير الجماعي للمسؤوليات الشعبية، وأن تحقيق أهداف الثورة الديمقراطية الشعبية، يتطلب إعداد طليعة واعية تتشكل من عناصر منحدرة من طبقة الفلاحين، والعمال، والشباب والمثقفين الثوريين وإسناد لهذه النخبة مهمة فكر سياسي،واجتماعي يعكس بوفاء طموح الجماهير في إطار الثورة الديمقراطية الشعبية( [31]) .
    ولتحقيق المهام الاقتصادية، الاجتماعية للثورة الشعبية يجب صياغة العمل والقيام به على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وفي المستوى الدولي حتى يتسنى تحرير الجزائر من مخلفات الاستعمار وبقايا الإقطاع، ووضع هياكل للمجتمع الجديد الذي يجب تشيده على أسس شعبية، ومعادية للإمبريالية ونعني باختيار خطوط العمل هذه: ( [32])
    1- بناء اقتصاد وطني:
    انطلاقا من كون فرنسا، كانت تسيطر كلية على الاقتصاد الجزائري، وبأن هذه الأخير مختل التوازن وغير متناسق، فإن برنامج طرابلس قد أوصى بالعدول عن أساليب الليبرالية التقليدية حتى يتسنى للثورة إجراء تحول حقيقي في المجتمع وانقلاب جذري في الهياكل الاقتصادية الموجودة وتطويرها بالكيفية التي تتماشى مع متطلبات التنمية وانجاز مهام الثورة الديمقراطية الشعبية ولن تتحقق هذه الغايات إلا بانتهاج سياسة التخطيط وتولي شؤون الاقتصاد بمشاركة العمال( [33]) وذلك عن طريق:
    أ-الثورة الزراعية: التي تشمل على الإصلاح الزراعي، المرتكز على شعار"الأرض لمن يخدمها" وعلى تحديث الفلاحة، بواسطة توزيع التقنيات العصرية على أوسع نطاق، وتنويع الزراعات الغنية، وإحلالها محل الزراعات الفقيرة، وإعادة جمع الثروة الحيوانية، ثم المحافظة على الثروة العقارية، وتوسيعها بواسطة استصلاح الأراضي المنجرفة وتشجير الغابات المحروقة، وتوسيع المساحات المروية والتركيز على استصلاح مساحات جديدة.
    ب- تطوير المنشآت: بواسطة تأميم وسائل النقل، وتحسين، وتجديد شبكات الطرق، والسكك الحديدية، وإقامة شبكات جديدة للمواصلات البرية قصد الربط بين المدن الكبرى،والأسواق القروية.
    جـ-تأميم البنوك والتجارة الخارجية: لأن السيطرة على هذين القطاعين ضروري لممارسة الرقابة الوطنية، وللتمكن من توجيههما في الاتجاه الذي يضمن القضاء على النظام الامتيازي بين فرنسا والجزائر، واستبداله بعلاقات حرة مع البلدان التي تعرض أفضل الأسعار ويضمن التعامل معها مبادلات متوازية أساسها المنفعة المتبادلة( [34]).
    د- تأميم الثروات المعدنية والطاقة: إن هذا التأميم يشكل هدفا يجب تحقيقه على الأمد الطويل، وذلك بالعمل على: توسيع شبكات الكهرباء والغاز إلى المراكز الريفية، وتكوين المهندسين والتقنيين في كافة المستويات حسب مخطط يؤهل البلاد إلى أن تشرف بنفسها على الثروات المعدنية والطاقة( [35]).
    هـ- تطوير الصناعة وتنميتها: لقد حدد برنامج طرابلس مهمة الدولة في العمل على توسيع القطاع العمومي الموجود ليشمل المناجم، ومصانع الإسمنت وفي الإعداد لإنشاء صناعات قاعدية لابد منها للفلاحة العصرية، وصناعات نفطية وحديدية في انتظار الصناعات التحويلية، والثقيلة التي توفر للجزائر إمكانيات إنشائها بالتدريج.
    أما ميادين الاقتصاد الأخرى، فإن الدولة تتركها للمبادرة الخاصة التي ينبغي تشجيعها وتوجيهها في إطار المخططات العامة، كما أن على الدولة تحسين الصناعة التقليدية، وإنشاء صناعات صغيرة محلية، وجهوية لاستثمار المواد الأولية ذات الطابع الفلاحي خاصة([36]).
    2-تحقيق المطامح الاجتماعية للجماهير:
    وذلك بانتهاج سياسة اجتماعية، تستفيد منها الجماهير لرفع مستوى معيشة العمال والقضاء على الأمية، وتحسين المسكن والوضع الصحي، وتحرير المرأة( [37]).
    أ- رفع مستوى المعيشة: بواسطة العمل على جبهتين أساسيتين هما: محاربة البطالة، قصد إلغائها نهائيا، ومحارب مظاهر الترف والإسراف والتبذير من جهة وتعبئة الجماهير الشعبية لمضاعفة العمل، وإتقانه وحمل الدولة والأغنياء على اللجوء إلى التقشف سواء في الحياة اليومية أو بالنسبة لتحديد الأجور و المرتبات من جهة ثانية.
    ب- محو الأمية وتطوير الثقافة الوطنية: انطلاقا من تعلق الشعب بقيمة الوطنية، التي صيغت في إطار الحضارة العربية الإسلامية، ومن تعطشه إلى العلم والمعرفة، الذين هما ضروريان لإخراجه من دائرة التخلف.
    جـ- السكن: وهو ميدان خاص بحياة ملايين الجزائريين، الذين هدمت نازلهم في الأرياف واضطروا للعيش في أكواخ المجتمعات والمعسكرات أو في الأحياء القصديرية التي تكاثرت عند مداخل المدن، والقرى التي سلمت من الهدم والتخريب، لأجل ذلك فإن توفر السكن اللائق للمواطنين يعتبر من الإجراءات المستعجلة التي يجب اتخاذها طبقا لما تقتضيه دورة النشاط الاقتصادي، وعملية تأهيل الريف( [38]).
    د- الصحة العمومية: يجب تأميم الطب والمنشآت الصحية لضمان مجانية العلاج لجميع الناس في أقرب الأوقات وذلك وفقا للمبادئ التالية:
    - تطوير مصلحة وطنية للصحة تتكفل بكل المستشفيات والمنشآت الصحية، تعمل بمشاركة أطباء يعملون يوميا، ويتمتعون بأحسن ظروف العمل، والبحث الممكنة.
    - تنظيم حملات بمساعدة المنظمات الجماهيرية، والجيش لمحاربة الأوبئة والأمراض المعدية ولتطوير الحالة الصحية، وتحسينها.
    - تكوين سريع للإطارات الطبية والصحية في إطار مخطط التنمية([39]).
    هـ- تحرير المرأة: باعتبارها نصف المجتمع، ونظرا لمشاركة الفعلية في تقويض أركان الاستعمار، لانجاز هذه المهمة، يدعو برنامج طرابلس إلى محاربة الأحكام الاجتماعية السابقة، والمعتقدات الرجعية، وتوفير الشروط الموضوعية التي تسمح بإشراف النساء في تسيير الشؤون العامة وتنمية البلاد.
    3- السياسة الخارجية:
    وهي الوسيلة الثالثة لانجاز الثورة الديمقراطية الشعبية، وقد أشار برنامج طرابلس على أنها عامل أساسي، في تدعيم الاستقلال الوطني، وبلورة الشخصية الدولية للجزائر وهي تتمحور حول مجموعة من المبادئ الثابتة أبرزها:
    أ- مناهضة الاستعمار والإمبريالية لتحقيق هذا المبدأ، يرى برنامج طرابلس أن الجزائر، مطالبة بالتضامن مع حركات التحرير في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وبالتعاون مع البلدان الاشتراكية، ومع قوى التحرر في البلدان الاستعمارية والامبريالية نفسها، من أجل تفكيك النظام الذي يقوم عليه الاستعمار والإمبريالية، وعليه فإن واجب الثورة الجزائرية، يحتم عليها دعم حركة عدم الانحياز الايجابي، وتدعيم التحالف مع البلدان، التي نجحت في بناء استقلالها الوطني، وتحررت من السيطرة الأجنبية([40]).
    ب- مساندة حركة النضال من أجل الوحدة: إن توسيع نطاق محاربة الإمبريالية سيغذي حيوية القوى السياسية والاجتماعية التي تعمل في نفس الاتجاه من أجل تحقيق الوحدة في المغرب الكبير، والوطن العربي، وإفريقيا، إن الطموح إلى الوحدة يندرج في سياق تاريخي حق، وهو يعكس حاجة تحرر الجماهير ورغبتها في تحريك أقصى قواها لتذليل الصعوبات التي تعرف ترقيتها، ويعد عمل توحيد البلدان المختلفة، عملا هاما ينبغي إدراجه في إطار اختيارات عقائدية، وسياسية واقتصادية تكون مناسبة لمصالح الجماهير، لذلك فالمهمة الواجب القيام بها، هي المساعدة على وضع تقدير صحيح لمقتضيات تحقيق الوحدة في المغرب الكبير، والوطن العربي، ويجب أن يتم هذا العمل في مستوى الحركات الطلائعية والمنظمات الجماهيرية، للحد من الصعوبات التي يجب تذليلها بصفة عملية
    جـ- دعم حركات التحرير: لقد عملت حرب التحرير بكثافتها وقوتها على الإسراع في إتمام عملية تصفية الاستعمار، في القارة الإفريقية على وجه الخصوص، وستقدم الجزائر المستقلة مساعدة كاملة للشعوب التي تناضل فعلا لتحرير بلادها، ومن واجب الجزائر أن تولي اهتماما خاصا بالوضع في أنغولا، جنوب إفريقيا، وبلدان شرق إفريقيا، فالتضامن الفعال ضد الاستعمار سيمكن بلادنا، من توسيع جبهة النضال ودعم حركة الوحدة([41]).
    د- النضال من أجل التعاون الدولي: باعتباره أمرا ضروريا لتوظيف المصادر المادية، والبشرية من أجل التقدم، وتحقيق التقدم والسلام في العالم، لذلك يرى برنامج طرابلس أن دعم الروابط مع بلدان أسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وتطوير المبادلات في كافة الميادين مع البلدان الاشتراكية، وإقامة علاقات مع كل الدول على أساس المساواة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، والعمل المشترك، مع القوى الديمقراطية، في فرنسا خاصة سيؤهل الجزائر للقيام بمسؤولياتها على الصعيد الدولي، ويجعلها قادرة على الإسهام بصفة إيجابية في مقاومة السباق نحو التسلح، والتجارب النووية، وفي العمل على تصفية الأحلاف العسكرية والقواعد([42]).

  6. أمة الرحمن الجزائرية

    أمة الرحمن الجزائرية عضو طاقم فيض مشرف

    منتسب منذ:
    ‏16 مايو 2009
    المشاركات:
    8,939
    الإعجاب المتلقى:
    365
    نقاط الجائزة:
    264
    [​IMG]
    عمر​
    بوداود​
    محمد​
    بن يحي​
    علي​
    كافي​
    مدخل القاعة​
    [​IMG]

    سي موسى (عكاش عمر)​

    علي هارون​


    [​IMG]

    ([22])​

    كانت هذه هي تشكيلة المجلس الوطني غداة مناقشة مشروع الحمامات الذي سيتحول إلى ميثاق طرابلس، بعد تعديله والتصويت عليه حيث افتتحت مناقشته في28 ماي 1962م على الساعة التاسعة والنصف صباحا، تحت رئاسة محمد بن يحي في البدء، شرع الحاج بن علا في قراءة مداخلته المتمحورة أساسا حول الأزمة التي تهز جبهة التحرير الوطني، وقد تطرق إلى الصراع القائم منذ أشهر بين هيئة الأركان والحكومة المؤقتة الجزائرية كما ندد بركود المؤسسات الموجودة، واقترح أن تتكفل الدورة بالمهام العجلة، ومن بين المهام العاجلة، إعادة هيكلة جبهة التحرير الوطني، وتحضير الاستفتاء الخاص بتقرير المصير، بالإضافة إلى النظر في الوضع المأساوي الذي نادته المنظمة السرية العسكرية (O.A.S)، وإرساء هياكل تابعة للدولة وقد دام النقاش ثلاثة أيام، يومي29 و30 ماي والأول من شهر جوان وفي جلسة المساء تقرر قبول مبدأ إنشاء لجنة مهمتها إدراج الملاحظات الواردة داخل النصوص في الجلسات العلنية وقد اقترح بومدين خمسة أعضاء لتشكيلها: أحمد بن بلة، أحمد بومنجل، علي هارون، قايد أحمد، أحمد يزيد وعضوين مساعدين آخرين حاج بن علا، عبد الحميد مهري، اجتهدت هذه اللجنة لتقدم يوم جوان نتائج أشغالها([23]).
    3-انعقاد مؤتمر طرابلس الثالث:
    بعد مناقشة الحمامات انعقد مؤتمر طرابلس بأيام قليلة قبل الإعلان الرسمي للاستقلال و بالتحديد في جوان 1962، شاركت في هذا المؤتمر تقريبا كل القيادات التي برزت أثناء الثورة التحريرية عسكرية أم سياسية كانت موجودة في الداخل، أم الخارج بما فيها السجناء من قيادي الثورة، وقد خرج المؤتمرين منه ببرنامج سمي بميثاق طرابلس الذي تناول موضوع تنظيم الدولة الجزائرية القادمة بجميع أبعادها([24]).


    4- ميثاق طرابلس:
    لقد صادق الحاضرون على برنامج طرابلس، الذي احتوى على محاور كبرى تتعلق بماضي وحاضر، ومستقبل المجتمع الجزائري، وردت مفصلة وموسعة وشاملة لمختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تعيشها الجماهير الشعبية الجزائرية وكان محتوى هذا البرنامج مستهلا بـ:
    إبراز صورة شاملة عن الوضعية الجزائرية، ومكانة السيادة الوطنية فيها، حيث بانتهاء مفاوضات إيفيان وتتويجها باتفاقيات 18 مارس 1962 التي وضعت حدا لحرب إبادية طويلة غذتها الرأسمالية الفرنسية ضد الشعب الجزائري، اعتبرت اتفاقيات إيفيان انتصارا للشعب الجزائري هذا الانتصار الذي تحقق من حيث المبدأ قبل إجراء الاستشارة الشعبية التي تفضي حتما إلى استقلال الجزائر([25]).
    أما المحور الثاني الذي تناوله برنامج طرابلس فقد تضمن موضوع الحرب الاستعمارية وتحول الاستعمار الفرنسي، وطبيعة النظام الاستعماري الذي واجه الثورة الجزائرية بطريقة إبادية حقيقية، لقد كشف كفاح الشعب الجزائري عن حقيقة الاستعمار الفرنسي و طبيعته الأصلية وكونه نظاما ديكتاتوريا، كونه لم يتردد في سحق الثورة الجزائرية بانتقاله من النظام القديم إلى النظام الجديد عن طريق بعض مشاريع الإصلاحية كمشروع قسنطينة، لكن و أمام فشل هذه المساعي في ظل حدة الكفاح الثوري الجزائري لم تجد فرنسا بدا من اللجوء إلى التفاوض الذي انتهى بالاعتراف بالسيادة الوطنية([26]).
    أما المحور الثالث فقد اشتمل على موضوع الجزائر على أبواب الاستقلال مشيرا إلى أن اتفاقيات إيفيان نظرت إليها الأوساط الاستعمارية التقليدية والفاشية على أنها بمثابة هزيمة ساحقة، وإهانة لم يسبق لها مثيل الأمر الذي أدى بالمستوطنين إلى محاولة إقامة نظام فاشي وإشعال نار الحرب من جديد بالجزائر عن طريق منظمتهم الإجرامية O.A.S وعدم الاعتراف بنتائج اتفاقيات إيفيان، ولئن كانت اتفاقيات إيفيان تمثل انتصارا للشعب الجزائري من أجل تحقيق الاستقلال فهي في المقابل تثير عدة مشاكل أمام الدولة الجزائرية المستقلة بسبب بقاء المستوطنين الفرنسيين وحجم الضمانات التي أعطيت لهم، بموجب هذه الاتفاقيات وهي تتعارض مع المرامي الأساسية للثورة الجزائرية، بيد أن الدولة الجزائرية بإمكانها إدخال إصلاحات جوهرية في نطاق سيادتها الداخلية، وبالمشروع في البناء و التشييد عن طريق اتخاذ قرارات عاجلة وناجعة، بهدف التغلب على هذه الصعوباتـ وإذا كانت السيادة الوطنية قد استرجعت والجزائر على أبواب الاستقلال يبقى أن يعطي محتوى التحرير الوطني، لأن فرنسا وإن كانت قد عارضت طويلا استقلال الجزائر إلا أنها تحاول في هذه الظروف توجيه استقلال الجزائر وفق مقتضيات سياستها الاستعمارية([27]).
    واحتوى المحور الرابع على موضوع ارتبط أساسا بمعالجة نقائص جبهة التحرير الوطني، وحلل تلك النقائص تحليلا نقديا وكشف الأسباب والخلفيات التي نتجت عنها تلك النقائص المتمثلة في:
    1-جهل المؤهلات الثورية العميقة للشعب في الأرياف، كان من الأسباب الرئيسية لقلة الوعي المناف للثورة الذي يسيطر على جبهة التحرير الوطني بنظرتها إلى الكفاح المسلح من زاوية التحرير الوطني فقط، وهو ما يكشف عن جهلها للمؤهلات الثورية العميقة في الأرياف، فبالرغم من أن جبهة التحرير الوطني ظهرت كنزعة طلائعية متجاوزة أساليب ومفاهيم ومناهج الحركات السياسية التي كانت قائمة قبل اندلاع الثورة التحريرية فإن برنامج طرابلس يرى أنها لم تتجاوز إيجابيا الهدف الوحيد المسجل في البرنامج التقليدي للحركة الوطنية وهو الاستقلال، وبين برنامج طرابلس أنه على الرغم ما في المدى الثوري للكفاح الوطني من جدة وأصالة نجد أن الجماهير الشعبية تدركهما وتشعر بهما أكثر من الإطارات والأجهزة المسيرة.
    2-الوعي الجماعي وممارسات جبهة التحرير، حيث ينتهي برنامج طرابلس إلى أن ممارسات جبهة التحرير الوطني، كان يتم بعيدا عن ذلك الوعي الجماعي النابع من واقع ومعاناة الجماهير وهو ما عبر عنه في نصه:"نشاهد تباعدا خطيرا بين الوعي الجماعي، الذي نصح باتصاله بالواقع من جهة وبين ممارسات جبهة التحرير الوطني ، في كل المستويات من جهة أخرى" ويرجع برنامج طرابلس ذلك إلى غياب العامل الإيديولوجي في ممارسات الجبهة للسلطة، وعدم بذلها لأي جهد في هذا الميدان([28]).
    3-المظاهر الإقطاعية في بعض جوانب نظام الجبهة، حيث كان لضعف التربية الديمقراطية في صفوف المناضلين والمواطنين على السواء، انعكاساته على بعض جوانب نظام الجبهة التي لم تقم "رغم معارضتها للإقطاعية وأسسها الاجتماعية" بأي مجهود لحماية نفسها (الجبهة من آثار الإقطاعية)، وحسب برنامج طرابلس فإن ذلك يرجع إلى أن الجبهة:" تناست بأن مفهوم المسؤولية المتطرفة وعدم المقاييس الصحيحة وانعدام الثقافة السياسية هي التي تساعد على خلق الروح الإقطاعية أو على بثها من جديد" والإقطاعية في مفهوم برنامج طرابلس لا تتوقف عند شكل واحد أو طبقة معينة، فهي ذات أشكال متنوعة إذ أنه:"كما وجدت إقطاعية زراعية يمكن وجود إقطاعيات سياسية ومجموعات فوضوية من القادة والرؤساء وفرق متحزبة من الزبائن والأشياع " ويرجع برنامج طرابلس ذلك إلى غياب الديمقراطية وانعدام ممارستها في صفوف المناضلين والمواطنين.
    4- النفسية البرجوازية، حيث يرى برنامج طرابلس أن من المظاهر السلبية التي سيطرت على عدد كبير من الإطارات والمناضلين، تلك الذهنية البرجوازية أو النفسية البرجوازية الصغيرة على حد تعبير البرنامج الذي يرى أنها: "نسيت في ماضي حياتها السياسية في إحداث خرائب لا حصر لها وهي توشك اليوم وبنفس الأهمية التي توجد في بقايا الإقطاعية أن تحدث ضررا فادحا بالثورة"، ويعيد برنامج طرابلس جذور خلفيات النفسية البرجوازية إلى طبيعة عمل الأحزاب السياسية قبل الثورة، ولتركيبتها المتكونة أساسا من سكان المدن.
    5- انفصال القيادة عن الجماهير، إذ كان لابتعاد القيادة عن الواقع الذي تعيشه الجماهير أن خلق هوة بين القيادة، والجماهير الشعبية إذ أن:"انتصاب المرجع الأعلى لجبهة التحرير الوطني الجزائري في الخارج منذ السنة الثالثة للكفاح بالرغم من أنه كان لحاجة اقتضتها الظروف إذ ذلك قد تسبب في إيجاد قطيعة بين القيادة والواقع الوطني وقد كان من الجائز أن تكون هذه القطيعة قاضية الجائز لحركة التحريرية كلها" ويعني البرنامج بذلك أن مغادرة لجنة التنسيق والتنفيذ لمدينة الجزائر سنة1957، في اتجاه تونس أثر معركة الجزائر، كان يمكن أن تكون نتائجه بالنسبة لاستمرار الثورة نتائج وخيمة.
    ويختم برنامج طرابلس نقده لنقائص جبهة التحرير الوطني، بالتأكيد على "أن تجربة سبع سنوات ونصف أثبتت أنه، من غير إيديولوجية ناضجة ومنسجمة مع الواقع الوطني وجماهير الشعب، لا يكون هناك حزب ثوري تلك هي حقيقة الحزب وإيديولوجيته، وبدون هذين الأساسين لا وجود للحزب إطلاقا"([29]).
    أما المحور الخامس الذي تناوله برنامج طرابلس فهو الثورة الديمقراطية الشعبية فالشعب الجزائري المظفر الذي يعيد للجزائر سيادتها الوطنية واستقلالها بعد حرب تحريرية مريرة وهو يدرك أن المعركة لم تنتهي بعد، بل بالعكس يجب أن تستمر لتوسيع ودعم وانتصار الكفاح المسلح بالتشييد الثوري للدولة وللمجتمع باعتبار مهام الثورة الديمقراطية الشعبية تتطلب تحليل المعطيات الموضوعية للواقع، إن الجزائر ما انفكت ترفض الاستعمار الفرنسي وممارسته الإقطاعية منذ أكثر من قرن كونه يرتكز على الاستغلال الامبريالي واستغل الشعب الجزائري استغلالا بشعا فطرد الجزائريين من أراضيهم، وتعرضت ممتلكاتهم إلى النهب وإلى السلب وحل المستوطنون محلهم، وكان من الضروري أمام هذا الوضع المتأزم القيام بثورات شعبية تزعزع كيان الاستعمار والإقطاعية الجزائرية، لذلك توجب على الثورة إزالة أثار الإقطاع بصورة نهائية لخدمة مصالح الشعب والوطن.
    أما بشأن تحليل المحتوى الاجتماعي لجبهة التحرير الوطني، فقد ورد في البرنامج أن المقومات الاجتماعية لهذه الحركة تضم مجموع الشعب الجزائري وبشيء من التحليل للمحتوى الاجتماعي لكفاح التحرير يلاحظ أن الفلاحين والعمال هم الذين كانوا يشكلون القاعدة العاملة للثورة وأعطوها الطابع الشعبي، والتحاقهم الجماعي بصفوفها هو الذي كان سببا في انضمام فئات اجتماعية وطنية أخرى عليها، فكان تتويج الشعب الجزائري بالانتصار يتطلب من قادة الثورة الالتفات بعناية فائقة إلى وقود الثورة من فلاحين وعمال، وفي هذا السياق ينبغي التركيز على الأوضاع الجديدة وإعطاء الإمكانيات لمواطنين الذين سيفيدون بلدهم، وعليه فالمهام الأساسية للثورة الديمقراطية هي معالجة مكاسب الكفاح وتحليلها انطلاقا من الواقع الجزائري مع أخذ بعين الاعتبار مستلزمات التقدم المصري، والاكتشافات العلمية، وتجارب الحركات الثورية في العالم.
    أما المحور السادس الذي تناوله برنامج طرابلس، فقد تطرق إلى الكفاح المسلح الذي يجب أن يترك المكانة للمعركة العقائدية، وأن الثورة الديمقراطية يتعين عليها أن تخلق الكفاح من الاستقلال الوطني:"إن الثورة الديمقراطية تشيد واع للبلاد، في إطار مبادئ اشتراكية وسلطة في أيدي الشعب".
    أما فيما يخص المحتوى الديمقراطي فقد جاء في البرنامج أن مهام الثورة تتمثل في تقوية المواطن وإعادة له قيم المكبوتة التي ستصاغ في منظور حديث، بعد إلغاء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية للإقطاع ومخلفاتها وإقامة مؤسسات وهياكل جديدة كفيلة بتحرير الإنسان من عوامل الإمبريالية ومما ورد في هذا الاتجاه، "إن الوضع الاجتماعي والثقافي للبلاد يتوقف على ظروفها الاقتصادية وحتى تكون تنمية الجزائر سريعة ومنسجمة نحو الاستجابة لاحتياجات الجميع في إطار نظام تعاوني يجب أن تصاغ التنمية في منظار اشتراكي بالضرورة..." ( [30])
    وعند تطرقه للمحتوى الشعبي ذكر البرنامج بأن مصير الفرد الجزائري، مرتبط بمصير مجتمعه وأن الديمقراطية تتجاوز حدود تفتح الحريات الفردية، إلى التعبير الجماعي للمسؤوليات الشعبية، وأن تحقيق أهداف الثورة الديمقراطية الشعبية، يتطلب إعداد طليعة واعية تتشكل من عناصر منحدرة من طبقة الفلاحين، والعمال، والشباب والمثقفين الثوريين وإسناد لهذه النخبة مهمة فكر سياسي،واجتماعي يعكس بوفاء طموح الجماهير في إطار الثورة الديمقراطية الشعبية( [31]) .
    ولتحقيق المهام الاقتصادية، الاجتماعية للثورة الشعبية يجب صياغة العمل والقيام به على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وفي المستوى الدولي حتى يتسنى تحرير الجزائر من مخلفات الاستعمار وبقايا الإقطاع، ووضع هياكل للمجتمع الجديد الذي يجب تشيده على أسس شعبية، ومعادية للإمبريالية ونعني باختيار خطوط العمل هذه: ( [32])
    1- بناء اقتصاد وطني:
    انطلاقا من كون فرنسا، كانت تسيطر كلية على الاقتصاد الجزائري، وبأن هذه الأخير مختل التوازن وغير متناسق، فإن برنامج طرابلس قد أوصى بالعدول عن أساليب الليبرالية التقليدية حتى يتسنى للثورة إجراء تحول حقيقي في المجتمع وانقلاب جذري في الهياكل الاقتصادية الموجودة وتطويرها بالكيفية التي تتماشى مع متطلبات التنمية وانجاز مهام الثورة الديمقراطية الشعبية ولن تتحقق هذه الغايات إلا بانتهاج سياسة التخطيط وتولي شؤون الاقتصاد بمشاركة العمال( [33]) وذلك عن طريق:
    أ-الثورة الزراعية: التي تشمل على الإصلاح الزراعي، المرتكز على شعار"الأرض لمن يخدمها" وعلى تحديث الفلاحة، بواسطة توزيع التقنيات العصرية على أوسع نطاق، وتنويع الزراعات الغنية، وإحلالها محل الزراعات الفقيرة، وإعادة جمع الثروة الحيوانية، ثم المحافظة على الثروة العقارية، وتوسيعها بواسطة استصلاح الأراضي المنجرفة وتشجير الغابات المحروقة، وتوسيع المساحات المروية والتركيز على استصلاح مساحات جديدة.
    ب- تطوير المنشآت: بواسطة تأميم وسائل النقل، وتحسين، وتجديد شبكات الطرق، والسكك الحديدية، وإقامة شبكات جديدة للمواصلات البرية قصد الربط بين المدن الكبرى،والأسواق القروية.
    جـ-تأميم البنوك والتجارة الخارجية: لأن السيطرة على هذين القطاعين ضروري لممارسة الرقابة الوطنية، وللتمكن من توجيههما في الاتجاه الذي يضمن القضاء على النظام الامتيازي بين فرنسا والجزائر، واستبداله بعلاقات حرة مع البلدان التي تعرض أفضل الأسعار ويضمن التعامل معها مبادلات متوازية أساسها المنفعة المتبادلة( [34]).
    د- تأميم الثروات المعدنية والطاقة: إن هذا التأميم يشكل هدفا يجب تحقيقه على الأمد الطويل، وذلك بالعمل على: توسيع شبكات الكهرباء والغاز إلى المراكز الريفية، وتكوين المهندسين والتقنيين في كافة المستويات حسب مخطط يؤهل البلاد إلى أن تشرف بنفسها على الثروات المعدنية والطاقة( [35]).
    هـ- تطوير الصناعة وتنميتها: لقد حدد برنامج طرابلس مهمة الدولة في العمل على توسيع القطاع العمومي الموجود ليشمل المناجم، ومصانع الإسمنت وفي الإعداد لإنشاء صناعات قاعدية لابد منها للفلاحة العصرية، وصناعات نفطية وحديدية في انتظار الصناعات التحويلية، والثقيلة التي توفر للجزائر إمكانيات إنشائها بالتدريج.
    أما ميادين الاقتصاد الأخرى، فإن الدولة تتركها للمبادرة الخاصة التي ينبغي تشجيعها وتوجيهها في إطار المخططات العامة، كما أن على الدولة تحسين الصناعة التقليدية، وإنشاء صناعات صغيرة محلية، وجهوية لاستثمار المواد الأولية ذات الطابع الفلاحي خاصة([36]).
    2-تحقيق المطامح الاجتماعية للجماهير:
    وذلك بانتهاج سياسة اجتماعية، تستفيد منها الجماهير لرفع مستوى معيشة العمال والقضاء على الأمية، وتحسين المسكن والوضع الصحي، وتحرير المرأة( [37]).
    أ- رفع مستوى المعيشة: بواسطة العمل على جبهتين أساسيتين هما: محاربة البطالة، قصد إلغائها نهائيا، ومحارب مظاهر الترف والإسراف والتبذير من جهة وتعبئة الجماهير الشعبية لمضاعفة العمل، وإتقانه وحمل الدولة والأغنياء على اللجوء إلى التقشف سواء في الحياة اليومية أو بالنسبة لتحديد الأجور و المرتبات من جهة ثانية.
    ب- محو الأمية وتطوير الثقافة الوطنية: انطلاقا من تعلق الشعب بقيمة الوطنية، التي صيغت في إطار الحضارة العربية الإسلامية، ومن تعطشه إلى العلم والمعرفة، الذين هما ضروريان لإخراجه من دائرة التخلف.
    جـ- السكن: وهو ميدان خاص بحياة ملايين الجزائريين، الذين هدمت نازلهم في الأرياف واضطروا للعيش في أكواخ المجتمعات والمعسكرات أو في الأحياء القصديرية التي تكاثرت عند مداخل المدن، والقرى التي سلمت من الهدم والتخريب، لأجل ذلك فإن توفر السكن اللائق للمواطنين يعتبر من الإجراءات المستعجلة التي يجب اتخاذها طبقا لما تقتضيه دورة النشاط الاقتصادي، وعملية تأهيل الريف( [38]).
    د- الصحة العمومية: يجب تأميم الطب والمنشآت الصحية لضمان مجانية العلاج لجميع الناس في أقرب الأوقات وذلك وفقا للمبادئ التالية:
    - تطوير مصلحة وطنية للصحة تتكفل بكل المستشفيات والمنشآت الصحية، تعمل بمشاركة أطباء يعملون يوميا، ويتمتعون بأحسن ظروف العمل، والبحث الممكنة.
    - تنظيم حملات بمساعدة المنظمات الجماهيرية، والجيش لمحاربة الأوبئة والأمراض المعدية ولتطوير الحالة الصحية، وتحسينها.
    - تكوين سريع للإطارات الطبية والصحية في إطار مخطط التنمية([39]).
    هـ- تحرير المرأة: باعتبارها نصف المجتمع، ونظرا لمشاركة الفعلية في تقويض أركان الاستعمار، لانجاز هذه المهمة، يدعو برنامج طرابلس إلى محاربة الأحكام الاجتماعية السابقة، والمعتقدات الرجعية، وتوفير الشروط الموضوعية التي تسمح بإشراف النساء في تسيير الشؤون العامة وتنمية البلاد.
    3- السياسة الخارجية:
    وهي الوسيلة الثالثة لانجاز الثورة الديمقراطية الشعبية، وقد أشار برنامج طرابلس على أنها عامل أساسي، في تدعيم الاستقلال الوطني، وبلورة الشخصية الدولية للجزائر وهي تتمحور حول مجموعة من المبادئ الثابتة أبرزها:
    أ- مناهضة الاستعمار والإمبريالية لتحقيق هذا المبدأ، يرى برنامج طرابلس أن الجزائر، مطالبة بالتضامن مع حركات التحرير في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وبالتعاون مع البلدان الاشتراكية، ومع قوى التحرر في البلدان الاستعمارية والامبريالية نفسها، من أجل تفكيك النظام الذي يقوم عليه الاستعمار والإمبريالية، وعليه فإن واجب الثورة الجزائرية، يحتم عليها دعم حركة عدم الانحياز الايجابي، وتدعيم التحالف مع البلدان، التي نجحت في بناء استقلالها الوطني، وتحررت من السيطرة الأجنبية([40]).
    ب- مساندة حركة النضال من أجل الوحدة: إن توسيع نطاق محاربة الإمبريالية سيغذي حيوية القوى السياسية والاجتماعية التي تعمل في نفس الاتجاه من أجل تحقيق الوحدة في المغرب الكبير، والوطن العربي، وإفريقيا، إن الطموح إلى الوحدة يندرج في سياق تاريخي حق، وهو يعكس حاجة تحرر الجماهير ورغبتها في تحريك أقصى قواها لتذليل الصعوبات التي تعرف ترقيتها، ويعد عمل توحيد البلدان المختلفة، عملا هاما ينبغي إدراجه في إطار اختيارات عقائدية، وسياسية واقتصادية تكون مناسبة لمصالح الجماهير، لذلك فالمهمة الواجب القيام بها، هي المساعدة على وضع تقدير صحيح لمقتضيات تحقيق الوحدة في المغرب الكبير، والوطن العربي، ويجب أن يتم هذا العمل في مستوى الحركات الطلائعية والمنظمات الجماهيرية، للحد من الصعوبات التي يجب تذليلها بصفة عملية
    جـ- دعم حركات التحرير: لقد عملت حرب التحرير بكثافتها وقوتها على الإسراع في إتمام عملية تصفية الاستعمار، في القارة الإفريقية على وجه الخصوص، وستقدم الجزائر المستقلة مساعدة كاملة للشعوب التي تناضل فعلا لتحرير بلادها، ومن واجب الجزائر أن تولي اهتماما خاصا بالوضع في أنغولا، جنوب إفريقيا، وبلدان شرق إفريقيا، فالتضامن الفعال ضد الاستعمار سيمكن بلادنا، من توسيع جبهة النضال ودعم حركة الوحدة([41]).
    د- النضال من أجل التعاون الدولي: باعتباره أمرا ضروريا لتوظيف المصادر المادية، والبشرية من أجل التقدم، وتحقيق التقدم والسلام في العالم، لذلك يرى برنامج طرابلس أن دعم الروابط مع بلدان أسيا، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وتطوير المبادلات في كافة الميادين مع البلدان الاشتراكية، وإقامة علاقات مع كل الدول على أساس المساواة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، والعمل المشترك، مع القوى الديمقراطية، في فرنسا خاصة سيؤهل الجزائر للقيام بمسؤولياتها على الصعيد الدولي، ويجعلها قادرة على الإسهام بصفة إيجابية في مقاومة السباق نحو التسلح، والتجارب النووية، وفي العمل على تصفية الأحلاف العسكرية والقواعد([42]).

مشاركة هذه الصفحة

وجد المستخدمون هذه الصفحة بالبحث عن:

  1. مذكرة ماجستير الولاية الثانية التاريخية pdf